عبد اللطيف اللعبي راهن على كون الانفتاح والتنوع مصدرا للإبداع (الجزيرة)
نزار الفراوي-الرباط
يعيش عبد اللطيف اللعبي، الشاعر والروائي المغربي، الذي يكتب بالفرنسية، ثنائية مرجعيته اللغوية، بين الفرنسية والعربية، كحالة انفصام سعيدة.

يقول اللعبي، الحائز على جائزة غونكور للشعر التي تمنحها الأكاديمية الفرنسية، عام 2009، "أنا رجل مترحل بين لغتين وثقافتين، غير أني لا أعيش هذه المنزلة البينية كتمزق بل كمسار شيزوفريني سعيد".

توقف الكاتب المغربي كثيرا عند إشكالية الازدواجية اللغوية، في لقاء نظمه المعهد الإسباني بالرباط (ثيربانتيس) حول "الوضعية المزدوجة للكاتب"، ليذكر بأن لغته الأم هي العربية، وأنه يكتب بالفرنسية تحديدا لاعتبارات متعلقة بالتاريخ الكولونيالي، لكنه يستدرك بأن اللغة الأم لا تختفي بل "إنها تمنح لمن يكتب بلغة أجنبية صدى ونفسا وروحا، وتمن على نصه الأدبي بإيقاعات وأصوات".

المفارقة في المرجعية الأدبية لعبد اللطيف اللعبي (من مواليد مدينة فاس عام 1942) أنه، بالرغم من انخراطه في الكتابة بالفرنسية، التي بوأته مكانة أثيرة في عالم الأدب الفرنكوفوني، فإنه وجد نفسه سليل شجرة شعرية واسعة الأفنان، تمتد إلى أقصى الجغرافيات والقارات الثقافية، خارج مدار نفوذ لغة موليير.

وهكذا وجد اللعبي مكنونه الشعري أقرب إلى شعراء يتوزعون على اليابان وباكستان والهند وتركيا وإسبانيا وأميركا اللاتينية. يستحضر، وهو يشبع نهمه الأدبي داخل زنزانة الاعتقال السياسي الذي كلفه عشر سنوات في زمن ما يسمى بسنوات الرصاص بالمغرب، افتتانه بأسماء من قبيل غارسيا لوركا وأنطونيو ماتشادو٬ واليوناني يانيس ريتسوس والتركي ناظم حكمت والروسي فلاديمير ماياكوفسكي.

هذه التأثيرات البعيدة تجعل مؤلف رواية "تجاعيد الأسد" خارج تصنيفات النقد الجامعي. "أجد نفسي في ما يسمى بدائرة الأدب- العالم"، في إشارة منه إلى أفقه الكوني المتحرر من الأحادية الجغرافية والثقافية.
ومن هذا المنطلق يرفض اللعبي كل انغلاق على هوية محددة الأبعاد، ويراهن على الانفتاح والتنوع باعتبارهما مصدرا دافقا لنهر الإبداع، بل إنه يعتقد أن صفته ككائن للمنفى، أثرت على نظرته إلى الزمن والمكان والعالم.

غلاف ديوان شاعر يمر للمغربي عبد اللطيف اللعبي (الجزيرة)

تفاعل ثقافي
ودون مبالغة في الاستدعاء الرومانسي للمكان، يعتبر عبد اللطيف اللعبي أنه يجد نفسه في عبوره لمدن الأندلس، من غرناطة وإشبيلية وغيرها، أقل شعورا بحالة المنفى، وأكثر انسجاما مع الضوء والهواء وعبق المكان. غرناطة ذكرته غير ما مرة بفاس العتيقة، والعكس صحيح تماما.

لا ينفي اللعبي حرجه المتنامي وهو يقابل بالسؤال الأزلي: لماذا تكتب؟ إنه سؤال فقد الكثير من شغفه من فرط تكراره. كما أن الكاتب ليس مطالبا بالتنظير لما يكتب، ما دام فنه نفسه يشكل نمط تفكير قائم بذاته يقتضي الاشتغال على اللغة والمتخيل والوجود والذاكرة الجماعية ويتوخى الجمال.

وإذ تتفرق السبل بالشعراء والكتاب في بحثهم عن الإبداعية في اللغة والصورة وغيرها، فإن اللعبي ما زال يتمسك بإيمانه العميق بوظيفة الأدب في إنتاج حالة اليقظة الدائمة والدفاع عن القيم التي تعطي المعنى للحياة ومحاربة التطرف وتمجيد آفاق الحرية لجميع البشر.

ومن المفارقة في المسار الأدبي لعبد اللطيف اللعبي، أنه من الكتاب الفرنكوفونيين المغاربيين القلائل الذين حافظوا على تفاعل ثقافي وثيق مع الشرق العربي، خصوصا أنه برز دائما ناشطا مدافعا عن القضية الفلسطينية، وقد توج الترحاب الذي يحظى به في المنطقة بإصدار دار "ورد" السورية مؤخرا لمجموعة أعماله الشعرية الكاملة.

أسس اللعبي مجلة "أنفاس" سنة 1966، التي كانت رائدة في ترويج الثقافة الحديثة وخصوصا الأدبيات اليسارية. وأصدر كتبا عديدة من بينها "العين والليل" (رواية) و"عهد البربرية" (شعر)٬ و"قصة مغربية" (شعر)٬ و"أزهرت شجرة الحديد" (شعر)٬ و"قصائد تحت الكمامة" (شعر)٬ و"مجنون الأمل" (رواية)٬ و"الرهان الثقافي" (دراسات نظرية ومقابلات)٬ و"تجاعيد الأسد" و"قاع الخابية".

المصدر : الجزيرة