الشاعرة سمية السوسي أثناء أمسية الشاعرات الفلسطينيات في نيويورك (الجزيرة)
فاتنة الغرة
بوجوه تحمل ملامح متشابهة، لا فرق بين وجه وآخر غير تفاصيل المكان والوجع والتجربة، تمر الكاتبات الفلسطينيات على الذاكرة مثل مرور السحابة بتجربة تتفرد كحال تفرد المكان والقضية أو التحامهما معا، لتخرج صورة إبداعية لها سمات خاصة.
 
ومع أن حال المرأة الكاتبة في أي بلد على الخريطة  الإبداعية هو حال خاص واستثنائي، يتقدم على استحياء ويحتل المساحة الصغرى دائما في حقل الإبداع، فإن حال المرأة المبدعة الفلسطينية يمتاز بخصوصية تجعله يقف في منطقة لا يُنازَع فيها، من حيث كونه ليس حالا واحدا بل أحوالا متعددة تجمعها الهوية الفلسطينية وتمايز بينها المنطقة الجغرافية.

وقد برز هذا التمايز واضحا في المؤتمر الذي عقدته مؤسسة "ArteEast" في نيويورك، وشاركت فيه مجموعة من الكاتبات الفلسطينيات، حيث كانت غزة هي الموضوع الأساسي للكتابات، الذي بين الاختلاف الواضح في حال الكتابة النسوية الفلسطينية، وهو ما جعل غزة تتفرد بمبدعاتها ولغتهن الخاصة جدا، التي تهيمن عليها خصوصية المكان.

هم عام
وربما لا تختلف المواضيع التي تتناولها المبدعة الفلسطينية كثيرا عن غيرها من المبدعات في أرجاء العالم لكن الهم العام والداخلي الذي لا تستطيع الإفلات من قبضته يلقي بظلاله الواضحة على أغلب النصوص، وهو الأمر الذي نجده واضحا في سردية سمية السوسي -وهي شاعرة من غزة- التي أصبح السرد طريقتها في التعبير عن غزة إذ تقول: " تحمل ألبوم صورك، لتؤكد أنك كنت في تلك البلاد البعيدة، ولتذكر أنك مررت بالكثير، عشت سعيدا أكثر مما يجب، وحفظت تفاصيل شوارع لم ينتبه مارتها لك. تحمل حقيبة سفرك إلى أول بوابة-العبور إلى غزة-الجانب المصري من الحدود".

والهم الذي تكتبه السوسي هنا يعيشه الفلسطينيون المقيمون في غزة جميعا، إلا أن عين الكاتب وحده تلتقطه بهذه المشهدية، ومن جانب آخر توصّف حنين جمعة وهي كاتبة من غزة أيضا الوضع السياسي والأمني المتوتر، الذي يقف على حد السكين فتقول: " .. شوارع قد تمتهن الحرائق،
لكنها قبل الحريق رماد! .. تبدو الأغنيات مضحكة حين يصحو اللصوص .. أجسادهم بامتداد الغيم تعلق على الحكاية .. والماء في بعض المدينة أقنعة!".

الشاعرة عدنية شبلي أثناء قراءة نصوص من غزة (الجزيرة)

وتشاركها ابنة جيلها ومدينتها منال مقداد في التوصيف بلغة تسودها مفردات القبور والحزن والغضب، حيث تقول: "والحزنُ نهرُ الحنينِ الأزرق، وشاهدُ قبر آخر على ميت سيموت، أغفو في انحيازِ منفًى يُخيفُ شغفَ أوردةٍ في عيونِ الغاضبين".

غير أننا لو خرجنا قليلا من جغرافية المكان الشعري لننتقل قليلا إلى الضفة مثلا لوجدنا اللغة ترق ومفرداتها تغدو أكثر وضوحا وأقل حدة وهذا ما نلتقطه في نصوص أسماء عزايزة مثلا: "لا أعرف معادلةً فيزيائيةً
تقيس حجم هذا الهواء
الذي يفصلنا الآن
ولكنّي أحاولُ
رغم ذلك
أن أبتلعه".

كما تتجسد بوضوح أكثر لو طالعنا نصوص سمر عبد الجابر التي لا تعرف فلسطين إلا من خلال ذاكرة جدها حيث ولدت وتربت خارجها: "يقول لي جدي دائمًا إن حيفا هي أجمل مدينة في العالم
أنا لم أرها
وجدي لم يزر كل مدن العالم..
لكني، رغم هذا، أصدقه كثيرًا
أدرك فجأة..
ثمة حياة
في الأشياء المكسورة أحيانًا".

يبقى إبداع المراة الفلسطينية الكاتبة في أغلبه رهين صفحات الفيسبوك ومواقع النشر الإلكترونية، إلا لمن كان لديها قدرة كسر الشرنقة المحيطة بها

هواجس عادية
ولا يعني هذا أن كتابات المبدعة الفلسطينية اقتصرت على الهم العام وإنما ذهب الكثير منها للتعبير عن الهم الشخصي والأرق الداخلي الذي يعيشه الكاتب بوصفه كائنا مغتربا أينما حل، إلا أن اللغة في هذه الكتابات الخارجة من رحم غزة غالبا ما يسودها الغموض، وكأن المرأة بشكل أو بآخر لا تريد التعبير بوضوح عن هواجسها وتساؤلاتها، كما تقول السوسي في نصها "أزرق لعين": "في باطن الكفّ
ينحني النقش،
صلاة خافتة ترتدّ إليّ
اللذة حافية تنساب".
وحينا آخر تبدو بسيطة غير متكلفة، مثلما نجد في نص دنيا الأمل إسماعيل من غزة حيث تقول: "في ركن الحكاية الأخير،
امرأة تشبه وحدتي، تعانق العتمة،
تختزل العمر في دمعتين...
وشهقة.

وبالرغم من حالة الحصار الذي يعيشه قطاع غزة، وتعيشه المرأة أيضا، خاصة من تقلص مساحة الحرية التي كانت تمارسها، فإن الكتابة أصبحت كأنها متنفس للموهوبات من غزة فصار يطل علينا من خلال موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك عدد كبير من الأسماء النسائية الشابة التي اختارت الكتابة وطنا بديلا أو معادلا موضوعيا لحالة الفراغ والضبابية وفقدان الأمل الذي تعيشه، مع نضج واضح في كثير من الكتابات وضحالة واضحة أيضا في الكثير منها، لكن هذا الجيل ينبئ بأهمية فعل الكتابة للنجاة من الموت المحقق.

ويبقى مصطلح الكتابة النسائية مثارا للكثير من المقالات والفعاليات الثقافية، ويبقى إبداع المرأة الفلسطينية الكاتبة في أغلبه رهين صفحات الفيسبوك ومواقع النشر الإلكترونية، إلا لمن كان لديها قدرة كسر الشرنقة المحيطة بها، للانطلاق إلى فضاء أرحب بدون اعتماد على دعم أسري أو مجتمعي أو مؤسساتي وهو الأمر الذي تحلم به أغلب الكاتبات الحبيسات في غزة.
_______________
شاعرة وكاتبة فلسطينية

المصدر : الجزيرة