طارق الشناوي
 
لا تزال قبضة النظام السوري تضغط بقوة وإحكام على رقبة الفنان والمثقف السوري، الكل يحسبها داخل دائرة لا تتجاوز مصالحه وقدرة يد النظام على أن تطوله، ولم يستفد بعد من الدرس الذي عاشه فنانون ومثقفون في مصر وتونس، راهنوا على النظام البائد وخسروا حب الناس.

من الممكن أن تعقد مثلا مقارنة بين ثلاثة من النجوم السوريين يجمع بينهم شيء مشترك، وهو أنهم ارتبطوا بالبقاء في القاهرة في السنوات الأخيرة، التي أصبحت تشكل بنسبة كبيرة محطة الانطلاق الجماهيري لهم. "رغدة" و"أصالة" و"جمال سليمان"، كل منهم لديه حسبة مختلفة. أصالة كانت مباشرة تماما في رفضها لممارسات بشار الأسد، وأعلنت دون مواربة أنها مع نضال الشعب السوري من أجل الحرية والكرامة.

صحيح أن هناك لغزا لا يزال غامضا بعد تراجعها المفاجئ عن إصدار أغنية "آه لو الكراسي بتحكي"، وكانت على وشك طبعها وتداولها جماهيريا، ثم قالت في مؤتمر صحفي إنها لا تعبر بالضبط عنها سياسيا، ومنعت إصدارها. غير أنها في كل الأحوال لم تتراجع عن تأييدها للثورة، بل وجهت مؤخرا انتقادا عنيفا ضد "دريد لحام"، أحد أكبر الأصوات مبايعة لبشار.

ما فعله الفنانون التونسيون لم يختلف عن المصريين، فالمطرب لطفي بوشناق غنى للرئيس المخلوع زين العابدين بن علي ولطيفة وهند صبري وقعتا على وثيقة تناشد بن علي الترشح في العام 2014 مجددا

على الجانب الآخر تجد "رغدة"، التي تفتح النيران على كل من ينتقد بشار، وتعلن أنها تقف مع السلطة الحاكمة. وهكذا مثلا فتحت النيران ضد بنت بلدها "أصالة"، بينما يحاول "جمال سليمان" أن يمسك العصا من المنتصف، فهو مع المطالبة بالحرية ولكنه ضد استخدام العنف، ثم لا يحدد أن العنف هو الذي تمارسه السلطة ضد الشعب الأعزل، كما لم يقل مباشرة إنه ضد بشار، فهو يطالب بالحرية، بينما الأسد في كل تصريحاته التي أعقبت الثورة السورية يعد بالحرية لسوريا، فهو يتوافق سياسيا أيضا مع بشار.

لم يعد أحد ينظر إلى التاريخ القريب، وهو موقف المثقف والفنان المصري والتونسي من النظامين البائدين وكيف أن الكثير منهم باتوا يبددون طاقاتهم الآن في محاولات يائسة لإثبات أنهم كانوا مع الثورة!!

لا أنسى هذا المشهد الذي التقط ونشر قبل إجبار "مبارك" على التنحي بأربعة أشهر فقط، وتصدر كل الصحف والفضائيات. وفد من الفنانين يحيطون بالرئيس "مبارك"، تستطيع أن تدرك من خلال هذه اللقطة أنهم جميعا كانوا يتسابقون من أجل الوقوف بجواره، وفازت "يسرا"، حيث التقطت لها الصورة وهي تقف على الميمنة من الرئيس، وعلامات الفخر بهذا الفوز مرسومة على وجهها.

ربما كان الأمر محسوما لصالحها، فهي الكبرى سنا بالقياس لكل النجمات الجدد اللاتي حضرن اللقاء، وهن منى زكي ونيللي كريم ومنة شلبي، وهي أيضا الأكثر احتفاظا بعلاقة وطيدة مع الرئيس وأسرته. والمعروف أن "يسرا" أطول من "مبارك" على الأقل بـ15 سنتيمترا، ولكنها في هذه اللقطة بدت أقصر منه بنفس العدد من السنتيمرات.. أتصور أن ذكاء "يسرا" جعلها لا ترتدي حذاء بكعب، كما أنها حرصت على أن تنحني قليلاً ليبدو الرئيس أطول منها.. قد تراها ملاحظة هامشية لكنها تحمل دلالة على تلك العلاقة بين النجوم والرئيس، إنه الحرص على أن تخرج الصورة "حلوة" وترضي الرئيس.

ويبقى الحديث عن الجبهة اليسرى، التي ضمت عددا من فطاحل النجوم، لا أتصور أن المعركة كانت سهلة، الكل كان يسعى للفوز بالوقوف مباشرة بجوار الرئيس، واستحوذ على تلك المكانة عزت العلايلي، وتناثر بجواره هنا وهناك، على الميمنة والميسرة محمود ياسين وحسين فهمي ويحيى الفخراني وأشرف زكي"!!

وكما تسابق النجوم في التصوير بجوار الرئيس تسابقوا أيضا في الإدلاء بأحاديث تؤكد أنهم تحدثوا عن أزمة السينما وعيد الفن، وكأنهم لا يدركون شيئا عما كان يحدث في الشارع بعيدا عن السينما وعيد الفن.. قالت الصحف إن اللقاء استغرق أربع ساعات، وحرص الجميع على التأكيد على أن الرئيس بصحة جيدة، وأنهم شربوا الشاي أربع مرات، وأن الرئيس كان سعيدا وبشوشا وله ذاكرة قوية.

ماذا لو أن النجوم والمثقفين قالوا لمبارك لماذا زادت معدلات الفقر والتلوث البيئي وسألوه عن حقيقة ترشحه لولاية سادسة وتوريثه الحكم لجمال وعن إحساس الناس بغياب العدالة الاجتماعية

وكانت هذه الزيارة تبدو وكأنها من وسائل الدولة لتقديم صورة لخداع المواطنين تؤكد لمن يتشكك أن الرئيس في صحة جسدية وعقلية جيدة، وفهم الفنانون الحاضرون للقاء أن هذا هو دورهم وأجادوا أيضا أداء دورهم في خداع الناس!!

الحقيقة هي أن النظام كان قد أصيب بورطة عندما فوجئوا بأن الرئيس وجه الدعوة إلى "طلعت زكريا"، الذى كان قد لعب دور البطولة في فيلم "طباخ الرئيس" قبل لقائه بالفنانين بأسبوع واحد وعقد معه لقاء استمر نحو ساعتين.. كانت الدهشة تبدو على الصحف الرسمية التي استشعرت أنها إحدى نزوات الرئيس، فلم تستطع تجاهل الخبر، وأيضا لم تمنحه الحجم الصحفي المعتاد في كل لقاءات الرئيس.

فلو تصورنا أن الرئيس التقى مثلا مواطنا عاديا لبضع ثوان فقط، سوف يتم إبراز هذا اللقاء في الصفحة الأولى وفي كل نشرات الأخبار، ولكن الذي حدث هو أن هذا اللقاء كان مكانه الصفحة الداخلية في كل الجرائد الحكومية، ولم يشر إليه التلفزيون الرسمي، وكأنهم يخفون الخبر!!

أغلب الظن أن "زكريا عزمي" المحرك الأساسي للنظام كان وراء الإعداد للقاء الرئيس الثاني مع النجوم سريعا، حتى يمتص الغضب المحتمل لعدد من النجوم الذين شعروا أن الرئيس تجاهلهم واختار "طباخ" الرئيس.

بعد ذلك جاء لقاء مبارك مع عدد من المثقفين واختيروا "على الفرازة"، مثل خيري شلبي وصلاح عيسى وجابر عصفور ويوسف القعيد والسيد ياسين وسامية الساعاتي وعائشة عبد النور.. أتذكر أن المذيعة منى الشاذلي استضافت في برنامجها أحد الكتاب الذي كان ينظر إليه قبل دخوله حظيرة "فاروق حسني" بأنه كاتب ضد السلطة، لم يقل هذا الكاتب سوى أن صالون الرئيس لا يختلف عن أي صالون في بيت متوسط الحال، وأن أكواب الشاي التي قدمت لهم من النوع المتواضع القابل للكسر!!

ماذا لو أن النجوم والمثقفين قالوا لمبارك آنذاك لماذا زادت معدلات الفقر والتلوث البيئي، وأصبحنا نشغل المركز الأول في العالم.. ماذا لو سألوا الرئيس عن حقيقة ترشحه لولاية سادسة وحقيقة توريثه الحكم لجمال.. ماذا لو سألوه عن إحساس الناس بغياب العدالة الاجتماعية.. ماذا لو سألوه عن تردي المؤسسات التعليمية والصحية والرقابية والقضائية في مصر؟!

لم يعد أحد ينظر إلى التاريخ القريب، وهو موقف المثقف والفنان المصري والتونسي من النظامين البائدين وكيف أن الكثير منهم باتوا يبددون طاقاتهم الآن في محاولات يائسة لإثبات أنهم كانوا مع الثورة

تخيلوا لو أن هؤلاء الفنانين والمثقفين رفضوا أن يلعبوا الدور الترفيهي في حضرة مبارك وأشعروه أنهم مصريون يدركون ما يعانيه أهلها.. بدلا من أن يصبح الهدف الوحيد من زيارتهم هو أن تصل للناس تلك الصورة، مبارك قوي وصحته عال العال، من حقه ولاية سادسة لو أراد، ومن حقه أن يورث الحكم لابنه لو أراد؟!

ما فعله الفنانون التونسيون لم يختلف عن المصريين، فالمطرب لطفي بوشناق غنى للرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، ولطيفة وهند صبري وقعتا على وثيقة تناشد بن علي الترشح في العام 2014 مجددا لمنصب رئيس الجمهورية، رغم مخالفة ذلك للدستور التونسي. غير أننا نجد الآن أن كل هؤلاء الفنانين وغيرهم باتوا يؤكدون أنهم لم يكونوا قط صوتا للرئيس بل أصواتا للشعب.

لدينا مثلا تسجيلات لعادل أمام وتامر حسني ومحمد فؤاد أثناء الثورة، وكيف أنهم كانوا يدافعون عن بقاء مبارك، ثم أصبحوا الآن يؤكدون أنهم كانوا أعلى صوتا في مطالبته بالرحيل رغم أن تسجيلات الفضائيات لا تتوقف عن فضحهم.

لقد خان أغلب النجوم والمثقفين العرب آمال الوطن، لأنهم لم يتجاوزوا قط مصالحهم، بينما شباب "الفيسبوك" كانوا أكثر إحساسا بالناس وقالوها "الشعب يريد إسقاط الرئيس".. وأسقطوه.

في سوريا لا يزال جزء كبير من الفنانين والمثقفين يقف إلى جانب بشار ضد ثورة الشعب، وقسط لا بأس به أمسك العصا من المنتصف مثل "جمال سليمان"، فهو مع ثورة الشعب من أجل الحرية إلا أنه في الوقت نفسه لم يطالب بإسقاط بشار!!
______________
كاتب وناقد فني مصري

المصدر : الجزيرة