أمير تاج السر

منذ عشر سنوات، في أحد معارض الكتب جلست متأنقا بحلة جديدة، لأوقع إحدى رواياتي الصادرة حديثا. كنت منتشيا بشدة، وأحلم بجمهور عريض، تضيق به المساحة الصغيرة التي خصصت للناشر في المعرض، لكن الأمر كان مخيبا للغاية.

فطيلة ساعتين أمضيتهما في جلسة قلقة وغير مريحة إطلاقا على مقعد صغير، لم يأتني غير مصور صحفي، التقط صورة بائسة ومضى دون أن يعرف اسم الكتاب حتى، وشابان من أهل السودان، لم يكونا يقصدانني بالتحديد، وعثرا علي مصادفة أثناء المرور في المعرض، ليستلما نسختين موقعتين دون حماس، وأظنهما اقتنياها بدافع الحرج.

ومنذ خمس سنوات عثرت على الشاعر الشهير عبد الرحمن الأبنودي، يجلس على مقعد من البلاستيك في جناح ناشره بمعرض الدوحة للكتاب، ويمر به الزوار المتصفحون للكتب، دون أن يحيوه حتى أو يطلبوا توقيعا تذكاريا، من ذلك الشاعر الذي أبكى الأرض وأبكته، وصاغ الصعيد المصري شعرا مجنونا وعذبا وملحميا لسنوات ليست بالقليلة. وطيلة جلوسي معه، لم ينتبه سوى عدد قليل من المهتمين بالشعر، وأبناء جيله، وسيدات مسنات كن يعرفنه فيما مضى، وشددنه بالحكي عن أيام الشباب التي ضاعت ولن تعود أبدا.

في المقابل شاهدت منذ عامين الروائي الإسباني كارلو رويس زافون، يوقع النسخة الإنجليزية من روايته الملحمية "ظل الريح"، التي وزعت بالملايين بشتى اللغات، في أحد الميادين العامة بلندن.

ثقافة القراءة لا تتعلق  بمستوى كتابة، أو تجليات إبداع يعرفها الغربيون ولا نعرفها نحن العرب، ولا بالتحرر من كل القيود التي تمنع الإبداع لدى العرب، الأمر يتعلق بثقافة أن تتربى قارئا نهما يطارد الكتب أينما حلت

كان يرتدي قميصا أخضر بنصف كم، وسروالا من الجينز الباهت، وقد تدافع حوله الآلاف من كل الأجيال والسحنات، في طوابير طويلة، كل يحمل ظل ريحه في يده، ويبدو قلقا ألا يتسع الوقت حتى يحظى بمصافحة زافون، والحصول على توقيع سحري، ألغى من أجله كل ارتباطاته، وتفرغ للتدافع في ذلك الزخم الغريب.

إذا كان زافون قد كتب مدينته برشلونة ببهارات أسطورية، وصدرها للعالم، ففي كتابنا العرب، من حول قرية صغيرة في صعيد مصر مثلا، أو بقعة نائية بلا ماء ولا ضوء في الصحراء الكبرى، إلى بؤرة إشعاع أشد أسطورية من "ظل الريح"، وإذا كان زافون قد عربد في اللغة الإسبانية، واخترع ظلالا لها، ففي الوطن العربي كثيرون، لعبوا باللغة العربية أيضا، وأنتجوا ظلالا أكثر امتدادا من "ظل الريح" في برشلونة.

وإذا كان عالمه خصبا حقيقة، وفيه من الإيحاءات ما يقطع النفس، ففي اليمن والسودان وموريتانيا عوالم تستنطق الصخور، وتصيب الكتابة بالهوس، وتدحرج القارئ إلى ساعات من النشوة، ينسى فيها أنه مجرد قارئ، ويعيش مع  شخوص الرواية، كل الذي عاشوه. وأخيرا إذا كان موضوعه عن الهوية والالتصاق بالأرض، ففينا من التصق بالأرض العربية، حتى انكسر أنفه، وسالت دماء قصائده ورواياته، وتمزقت ثيابه الكتابية.

ليس الأمر إذا مستوى كتابة، أو تجليات إبداع يعرفها الغربيون، ولا نعرفها نحن العرب، وليس تحررا من كل القيود التي تمنع الكتابة لدى العرب، وقد شهدت السنوات الأخيرة في العالم العربي، تحررا حتى من سلطة الديكتاتوريات التي كانت تعيق التداول الحر للأحلام، وتوقد الظلام في نهارات الذين يجرمون إبداعيا في نظرها.

الأمر ثقافة بحتة، ثقافة أن تتربى قارئا نهما، يطارد الكتب أينما حلت وحل، ويسعى لتجديد ثقافته قبل أن تصدأ، ويحتفي بكاتب مهما كان تواضع كتابته، احتفاءه بضوء انبلج فجأة، أو حسناء مليحة حيته بابتسامة، وأن تتربى ساعيا أبديا من أجل الرزق، في بلاد تعد فيها الكهرباء السهلة الرخيصة ترفا مستحيلا، ولقمة العيش التي هي من أبسط حقوق الحياة لغزا عصيا، ينبغي إعادة حله في كل يوم جديد.

القارئ هو من يصنع الأسطورة، ومن يحول الكاتب إلى نجم شديد التوهج، ومن يسعى لاكتشاف كاتبه، ومن ثم متابعته بعد ذلك أو تركه

في حالة زافون وغيره من كتاب الغرب لا يوجد مصطلح اسمه البحث عن قارئ، ولا يوجد قلق ولا أناقة بحلل جديدة زاهية، حين يعلن عن حفل توقيع في أي مكان، لقد أنجز الكاتب المتفرغ تماما للكتابة، عمله، وأنجز الناشر طبعات عدة، بعضها بغلاف سميك لهواة تزيين المكتبات بكتب لا تصل إليها عوامل الدهر، وبعضها بورق عادي فاخر لمتعة القراء الميسورين، وطبعات شعبية جدا، تصل حتى لعمال الشحن والتفريغ، ومحطات تزويد السيارات بالوقود.

القارئ هنا هو من يصنع الأسطورة، ومن يحول الكاتب إلي نجم شديد التوهج، ومن يسعى لاكتشاف كاتبه، ومن ثم متابعته بعد ذلك أو تركه، وليس بغريب أبدا أن تصل طبعات الكتب هناك إلى ملايين النسخ، وتنفد بسرعة، كما تنفد آنابيب البوتاغاز في بلاد كثيرة من الوطن العربي.

المقارنة بالتأكيد تبدو غير عادلة، ولا مجال للتذمر من عدم وجود قراء عندنا، وعدم وجود جمهور في حفلات التوقيع، إلا أولئك الذين جاؤوا بدافع الصداقة البحتة، أو بضغط من الرسائل النصية التي يرسلها الكاتب في الغالب بنفسه لمن يعرفهم، أو مؤازرة للجمال حين توقع فتاة جميلة على كتاب، حتى لو كان خواطر عاطفية بلا قيمة أدبية، فالقارئ العربي، في الغالب مواطن منشغل، يشغله العمل، وتشغله ضرورات الحياة، وتشغله مصاعب كثيرة لا يستطيع تجاوزها ليعيش ساعات مع كتاب، وبالتالي يكون وجوده في حفل توقيع لكاتب دون معنى، لأن الأشياء كلها ما عدا لقمة العيش، تبدو دون معنى.

في هذه الدورة من معرض أبو ظبي للكتاب الذي انتهى مؤخرا، حدث شيء جديد أتمنى لو اعتمد في معارض الكتب العربية الأخرى في دوراتها اللاحقة، فبدلا من حفلات التوقيع العشوائية في مساحات الناشرين الضيقة، وبجمهور لا يأتي إلا مصادفة، دعي عدد من الكتاب العرب والأجانب، ليوقعوا رسميا في ركن جميل، بعد ندوة حوارية مع الكاتب، يكشف فيها شيئا من عالمه وطقوسه، وتوزع لهم النسخ التي سيوقعها الكاتب مجانا.

لقد شاركت في ذلك البرنامج المستحدث لحسن الحظ، جلست في الركن المرتب جيدا، وتحاورت، وعثرت لأول مرة على جمهور يبدو أنه جاء خصيصا من أجل التوقيع، وكانت المفاجأة أن معظم من أتى، كان يحمل نسخا من كتب أخرى، وأراد الحصول على التوقيع، وهناك من سأل أسئلة كان من الواضح أنها نتيجة قراءة أو معرفة بما أنتجته.

ما انطبق علي انطبق على زملاء آخرين، ابتهجوا ربما لأول مرة برؤية جمهور يصافحهم، ويسعى للحصول على توقيعهم. بالطبع لم يقترب الأمر من مرحلة زافون التي قلت إنها نتيجة تربية عنيفة منذ الصغر، لكن يفتح كوة أمل صغيرة، ربما تتسع ويدخل عبرها ضوء بهيج في يوم من الأيام. ولعل كتاب الأطفال الذين حضروا ووقعوا أيضا، هم المربون لجيل جديد من القراء، ربما يصل بكتابتنا العربية، إلى (الزافونية) ذات يوم.
______________
روائي وكاتب سوداني

المصدر : الجزيرة