طارق الشناوي
 
قبل نحو ربع قرن وقف "الموسيقار" محمد عبد الوهاب في المحكمة متهما بانتهاك حرمة الإسلام بسبب أغنيته "من غير ليه"، التي يقول مطلعها "جايين الدنيا ما نعرف ليه"، قال أصحاب الدعوى القضائية إن الإنسان وجد في الدنيا من أجل أن يعبد الله، فكيف يردد عبد الوهاب هذا التساؤل ومن المفروض أنه يعرف الإجابة.
 
المطرب "مدحت صالح" عندما غنى "أنا عايز أعيش في كوكب تاني"، اعتبروا أنه يدعو للانتحار رافضا الدنيا بما فيها، ولا تستطيع سوى أن ترى في الدعوى التي أقيمت مؤخرا على عادل إمام بتهمة ازدراء الدين الإسلامي شيئا من هذا التعسف في قراءة الأعمال الفنية.

بعد الحكم مؤخرا برفض الدعوى التي أقيمت ضد عدد من الكتاب والمخرجين لأنهم قدموا أفلاما يلعب بطولتها "عادل إمام" تدعو لازدراء الإسلام، هل انتهت معركة الفنانين والمبدعين مع التيارات الدينية المحافظة.. الحقيقة هي أن المعركة لا تزال مستمرة، وأراها سوف تزداد ضراوة في قادم الأيام.

السينما "النظيفة" شعار لم يطلقه الإخوان، ولكن كانت نسبة من الأفلام قبل 15 عاما تقدم من أجل إرضاء ذوق جمهور صار أكثر ميلا للتزمت في تقبله للعمل الفني

محاولة شخصنة القضية في عادل أمام أراها تسحب الكثير من أهمية الموقف، مهما كان لدينا من تحفظات على مواقف إمام المؤيدة للنظام البائد، ودفاعه عن توريث الحكم لجمال، غير أن الموقف هذه المرة مختلف، لأننا نتناول قضية عامة وهي حرية المبدع. وهو ما دعا جبهة الدفاع عن الحرية لمؤازرته، وهو نفس ما قامت به كل النقابات الفنية في مصر. فلا شك أن هناك تخوفا من أن يتعرض الفن في مصر لقيود تفرضها القوى الإسلامية، التي صارت هي المتحكمة في الكثير من الشأن المصري الآن.

عندما سألوا "عمار الشريعي" عن إحساسه بالفن القادم بعد سيطرة الإخوان المسلمين والسلفيين على أغلب مقاعد مجلس الشعب، مع تراجع حاد لكل الأحزاب التي ترفع شعار الليبرالية، قال في عبارة موجزة "أنا بدأت أقرأ الفاتحة على روح الفن في مصر". ولم تكن كل الآراء تتوافق مع  الشريعي، فعدد من الفنانين قالوا أهلا ومرحبا بالإخوان، فهم سوف يطهرونا من الأغاني الخليعة ونحن معهم ونشد على أياديهم!!

في ظل هذه الأجواء بدأت جماعة الإخوان تلاحق المسؤولين وكبار النجوم بالزيارات وفي إجراء اتصالات أطلقوا عليها وصف "تطمينية" بدأت بالنقابات الفنية ولعدد من النجوم مثل عمار الشريعي نفسه، بل إن وزير الثقافة المصري شاكر عبد الحميد أعلن أنه التقى بهم، وأن أفكارهم وجدت لديه صدى طيبا ولا بأس من التعاون معهم.

بعدها بدأت التصريحات التي يعلنها عدد من النجوم تأخذ منحى مغايرا لما تعود عليه عدد كبير منهم. البعض يرحب، والبعض يؤكد أنه سوف يشارك في الأعمال الدرامية التي يستعد الإخوان لإنتاجها. فأغلب النجوم يبحثون عن الذي يحمي مصالحهم، والأمر لا يعنيهم كثيرا على مستوى التوجه الفكري أو القناعة السياسية.

الإخوان يسعون لتقديم رسائل تطمينية للفنانين، وحتى الجناح الذي يرفع شعار التحريم في الفن يقول جزء منه الآن إنه بصدد إرسال رسائل الاطمئنان إلى قلوب الفنانين!! فبعضهم كان يطالب بجلد المخرجة "إيناس الدغيدي" مائة جلدة بسبب أفلامها التي عدوها تستحق كحد أدنى هذا العقاب.

السينما "النظيفة" شعار لم يطلقه الإخوان، ولكن نسبة من الأفلام  كانت قبل 15 عاما تقدم من أجل إرضاء ذوق جمهور صار أكثر ميلاً للتزمت في تقبله للعمل الفني، فهو كان يتسامح في الماضي مع ظهور المايوه والقبل، وصار لا يتقبل ذلك. وهكذا مثلا تغيرت بوصلة الإنتاج والأفلام، التي كانت تؤدي بطولتها "نادية الجندي" و"نبيلة عبيد" وتعتمد في جزء من تسويقها على تلك المشاهد فلم تعد كذلك.

القضية لم ولن تكون "عادل إمام"، وهي لم تبدأ بإقامة دعوى عليه ولكنها ضاربة بالعمق في تاريخنا الفني والثقافي وسوف تستمر المطاردات التي تلاحق الفنانين من أجل تكبيل إبداعهم

والغريب أن الموزع السينمائي محمد حسن رمزي نائب رئيس غرفة صناعة السينما المصرية، الذي حقق الملايين من خلال تلك الأفلام، صار الآن هو أكبر موزعي الأفلام "النظيفة"، ويشارك أيضا في إنتاجها، وهو بالمناسبة لا يزال يؤيد التيار الإسلامي، ويؤكد أنه لن يكتفي فقط بتوزيع أفلامهم، ولكنه سوف ينتج لهم أيضا أفلاما، وانضم في الوقت نفسه إلى جبهة جديدة من الفنانين ترفع شعار الدفاع عن حرية المبدعين.

أتصور أن هناك العديد من الأعمال الفنية القادمة التي سيقدمون من خلالها تطبيقا عمليا لما يريدونه من فن سواء أكان دراميا أم غنائيا. هم لا شك لديهم أجندة فنية، وسوف ينتجون أعمالا في هذا الإطار تعبر عن قناعاتهم الفكرية.

وفي ظل هذا الإطار لا يوجد من يستطيع أن يعترض على إنشاء شركات إنتاج لديها فكر تريده وآخر ترفضه، كما أنهم سوف ينتقون الفنان الذي يتعاملون معه، كل ذلك من حقهم وهو لا يخيف أحدا، ولكن على شرط ألا يستغل الإخوان مع السلفيين حصولهم على الأغلبية في البرلمان ويبدؤون في فرض قوانين خاصة تكبل روح الفنان والإبداع.

تلك هي النقطة الفارقة في علاقة الإخوان بالفن، وفي هذه الحالة أعتقد أنه لو لجأ التيار الديني إلى وضع هذه القوانين في تلك المساحة سوف تعلو الأصوات وتبدأ معارك بين من يملك أغلبية برلمانية ومبدعين يبحثون عن الحرية.

القضية لم ولن تكون "عادل إمام"، وهي لم تبدأ بإقامة دعوى على الفنان المخضرم، ولكنها ضاربة بالعمق في تاريخنا الفني والثقافي، وسوف تستمر ملاحقة الفنانين من أجل تكبيل إبداعهم وفى الوقت نفسه سوف تشتعل روح الرفض لهذه القيود.
_______________
كاتب وناقد فني مصري

المصدر : الجزيرة