حلمي القاعود
 
قال الشهيد سيد قطب إن "الفن هو الوجه الآخر للدين"، وهذه المقولة رددها من بعده بعقود المجاهد البوسني الشهير "علي عزت بيغوفيتش" في كتابه الشهير "الإسلام بين الشرق والغرب"، بالطبع فالفن المقصود هنا هو كل ما يرقى بالإنسان ويمنحه الإحساس بالجمال والسمو الروحي.

وذلك يعني أن الإسلام ليس ضد الفن ولا الجمال، ولكنه ضد الهبوط والابتذال، وبالتأكيد ليست السخرية من الأديان أو التشهير بها من الحرية بمكان، فمن حق الإنسان أن يؤمن بالدين الذي يراه صوابا، وبالعقيدة التي تتناغم مع أفكاره ورؤاه دون أن يسخر منه أحد أو يزدريه، والإسلام على امتداد مسيرته الطويلة لم يؤخذ عليه أنه أرغم أحدا على الإيمان به أو الدخول إلى ساحته.

وعادل إمام ممثل موهوب بلا ريب، ويضحك الناس بأسلوبه الفكاهي الذي ورثه عن الراحل إسماعيل يس بتلقائيته وعفويته، ولكن الفارق يتمثل في أن إسماعيل يس كان بعيدا عن استفزاز الناس بسبب معتقداتهم، بل إنه قدم فيلما شهيرا يتناول الأديان الثلاثة السماوية تحت عنوان "حسن ومرقص وكوهين" وأضحك الناس جميعا على اختلاف معتقداتهم الدينية، وما زال يضحكهم حتى اليوم، فقد كان السياق ينطلق من رؤية شعبية عامة تدور في الإطار الإنساني المباح.

عادل إمام ممثل موهوب بلا ريب، ويضحك الناس بأسلوبه الفكاهي الذي ورثه عن الراحل إسماعيل يس بتلقائيته وعفويته، ولكن الفارق يتمثل في أن إسماعيل يس كان بعيدا عن استفزاز الناس بسبب معتقداتهم

وقد عرف الناس عادل إمام في مسرحيته الشهيرة "مدرسة المشاغبين" التي كانت تعرضها الحكومات المصرية في التلفزيون طيلة عقد السبعينيات، لإدخال الناس إلى بيوتهم، حتى لا يشاركوا في المظاهرات المعادية بسبب تأثيرها الفكاهي الملحوظ، خاصة على الشباب، وذلك بعد مرحلة كان فيها ممثلا مساعدا لمشاهير الممثلين من أمثال فريد شوقي وأحمد مظهر ورشدي أباظة وصلاح ذو الفقار وفؤاد المهندس.

وازدادت شعبيته حين عرف المسلسلات التلفزيونية مثل "أحلام الفتى الطائر"، و"دموع في عيون وقحة"، التي عالجت الصراع مع العدو الصهيوني، ومع امتداد مرحلة الانفتاح بعد رحيل السادات، ونمو الفساد الاقتصادي، راح عادل إمام يعالج هذه المرحلة من خلال ما عرف بالسينما التجارية، التي تضيف إلى الموضوع شيئا من الإثارة والإسقاطات الجنسية والسياسية.

مع الصدام بين الحركة الإسلامية والنظام واتخاذه شكل العنف والعنف المضاد، وجد عادل إمام ومجموعة الكتاب الذين يكتبون له أفلامه ذات المسحة السياسية فرصة التقرب من السلطة، وراح يقدم سلسلة من الأفلام التي تعالج ما سمي يومها بالإرهاب بطريقة مباشرة أو في إشارات عارضة، إرضاء للسلطة المستبدة الفاشية، وإشباعا لمعتقدات كتاب أفلامه من ذوي الميول الشيوعية أو اليسارية، التي جعلت همها الأيديولوجي هو مقاومة الإسلام وتشويهه، وفقا لمنظورهم الذي يرى أن الدين أفيون الشعوب ورمز التخلف والخرافة والجهل والظلام.

وتتابعت أفلام عادل إمام ومسرحياته التي شقت طريقها نحو استفزاز المشاعر الإسلامية بطريقة تصاعدية، ساعده على ذلك أن من يكتبون له أفلامه لا يخافتون بعدوانيتهم تجاه الإسلام، ورأوا أن الفرصة مناسبة، حيث تشجعهم السلطة المستبدة الفاشية من خلال الجهات الأمنية والتنفيذية على الصدام وجرح الشعور الإسلامي العام بوصف ذلك محاربة لما يسمى الإرهاب.

هناك أفلام لعادل إمام تعبر عن استهانة بالقيم الإسلامية عامة، ولا تضع في حسبانها الوازع الديني بأي درجة من الدرجات بل تدوس على هذا الوازع وتحتقره

وكانت أبرز الأفلام في هذا السياق "الإرهاب والكباب" و"الإرهابي" و"طيور الظلام"، وفي هذه الأفلام الثلاثة على سبيل المثال كانت شخصية المتدين المسلم شخصية فصامية، تقول ما لا تفعل، أو تفعل ما لا يتفق مع إيمانها، بالإضافة إلى أن هذه الشخصية في مجملها عنيفة ودموية وتستحل ما للآخرين، ومشغولة بالبحث عن متع النساء والمال، ولا تتورع عن السير وفقا لمنهج الغاية تبرر الوسيلة.
 
في الوقت نفسه تبدو شخصية الناصري والشيوعي شخصية مثالية محترمة، فالناصري في "طيور الظلام" وكان يمثله أحمد راتب، يبدو مترفعا، يرفض ما لا يتفق مع مبادئه، ويعيش حياته المادية بصعوبة وعسر، لأنه لا يمد يده إلى ما ليس له، أما شخصية الشيوعي في "الإرهابي"، التي يؤديها إبراهيم يسري فهو يعلق صورة جيفارا، ويبدو في الفيلم الحلم المأمول الذي سينقذ مصر وينتشلها من التخلف.

وكانت الأسرة المسيحية في هذا الفيلم مثالا للتشدد والتمسك بالأصولية الأرثوذكسية، وبدت شخصية المرأة المسيحية المتمسكة بالطقوس المتشددة في أداء التعاليم الرافضة لكثير من أحوال الواقع الاجتماعي أكثر احتراما وقبولا لدى المشاهد، على العكس من الشخصية الإسلامية التي بدت كريهة وبغيضة وسيئة على طول الخط، وللأسف لم يكتب صناع الفيلم صورة للمسلم الطيب أو المحترم إلا من خلال الأسرة المتساهلة في أمور الإسلام، والبنات المتحررات اللابسات أزياء مثيرة والباحثات عن الرقص والمتعة.

أتمنى أن يراجع الرجل نفسه، ويتذكر أن تشويه الإسلام أو الاستهانة به لا تصب في صالحه، بل تصب في صالح المتربصين بالأمة

هناك أفلام أخرى تعبر عن استهانة بالقيم الإسلامية عامة، ولا تضع في حسبانها الوازع الديني بأي درجة من الدرجات بل تدوس على هذا الوازع وتسحقه وتحتقره، أو تتخذ شخصياتها من الإسلام دائما ستارا لأغراض أخرى، وتتحول بالرشوة والرغبة إلى شخصيات غير سوية، أو تسخر من علماء الإسلام، كما نرى في أفلام "حنفي الأبهة" و"سلام يا صاحبي" و"مرجان أحمد مرجان" و"حسن ومرقص" وغيرها.

ومن المفارقات أن عادل إمام عندما أراد تصوير فيلم "حسن ومرقص"، ذهب مع الممثل عمر الشريف إلى الكنيسة لاستئذان رئيسها في تمثيل شخصية قسيس بملابسه الكهنوتية، ولكنه رفض، وانتهى اللقاء بالاتفاق على تمثيل باحث في الإكليروس ليظهر بملابس مدنية، ولكن عادل إمام في فيلم "الواد محروس بتاع الوزير" راح يسخر من الشيخ الشعراوي، ويقلده في طريقة كلامه وحركات يديه ورأسه وجسمه وإمساكه بالمصحف، دون أن يجد في ذلك أدنى غضاضة!

تمنيت يوما أن يصور عادل إمام فيلما عن الطريق إلى القدس، وكتبت مقالا يحمل هذه الأمنية، ولكنه لم يفعل، وقبِل أن يعرض مسرحية تحت حماية نظام مبارك الفاشي، وهو ما جعله مواليا لنظام مكروه معاد للدين.

ترى هل تحل المحاكم والقضاء علاقة عادل إمام مع الإسلام؟ لا أظن .. ولكني أتمنى أن يراجع الرجل نفسه، ويتذكر أن تشويه الإسلام أو الاستهانة به لا تصب في صالحه، بل تصب في صالح المتربصين بالأمة، خاصة أن تأثيره يفوق آلاف الوعاظ والمعلمين والصحف والفضائيات!
_______________
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة