بعض صناع السينما يرون أن التصنيف يخدم الشركات الكبرى مثل وارنر بروس وفوكس وغيرها (الأوروبية)
طارق عبد الواحد-ديترويت
 
قبل تسويقها وتوزيعها على صالات العروض في الولايات المتحدة، ترسل الأفلام السينمائية الأميركية إلى "جمعية الفيلم الأميركي" (أم بي أي أي) التي تعيّن لجان مشاهدة مهمتها تقييم تلك الأفلام وتصنيفها (ريتينغ) وتحديد فئات المشاهدين العمرية تبعا لدرجات العنف التعبيري أو الحركي، وكذلك تبعاً للغة الفاضحة والسلوكيات الجنسية ومشاهد العري.
 
وتلتزم بتلك التصنيفات جميع صالات العرض والقنوات التلفزيونية في الولايات المتحدة، بحيث يصبح من الصعب جدا على الأفلام غير المصنفة أن تجد طريقها إلى الجمهور أو الصحافة أو حتى إلى شركات الإعلان، مما يجعل من عملية تصنيف الأفلام لدى جمعية الفيلم الأميركي ممرا إجباريا لصناع السينما، رغم أنه لا قانون واضحا في هذا الشأن يفرض ذلك.
 
وتزداد المشكلة حدة عندما يتم تقييم بعض الأفلام ضمن التصنيف "أن سي-17"، الذي يعتبر من أقسى التصنيفات كونه يحظر على الشبان ممن هم دون الـ17 من العمر مشاهدة الأفلام المدرجة في هذه الخانة، الأمر الذي يهدد بخسارة تلك الأفلام وإفلاس الجهات المنتجة لها، كون هذه الفئة العمرية هي الأوسع في الجمهور السينمائي الأميركي.
المخرج كيربي ديك أكد في فيلمه أن صناعة السينما الأميركية لم تكن يوما تنافسية (الجزيرة)

سرية التصنيف
ومن التصنيفات المعتمدة في تقييم الأفلام، إلى جانب التصنيف "أن سي-17"، التصنيف "جي"، أي لجميع الفئات العمرية، و"بي جي" أي يفضل وجود راشد إلى جانب الأولاد خلال مشاهدة الأفلام، و"بي جي-13"، أي يحظر المشاهدة على الأولاد دون سن الثالثة عشرة، و"آر" (تقييد) أي يفرض وجود راشد مع الذين تقل أعمارهم عن 17 عاما، وغيرها.

ولا يعرف المخرجون الأميركيون ما هي المعايير المعتمدة لتصنيف الأفلام في هذه الخانة أو تلك، وبالتالي لا يمكنهم إعادة مونتاج أعمالهم، أو حذف المشاهد التي استوجبت هذا التصنيف المضر أو ذاك، بل إن كامل العملية تتم بسرية مطلقة يصفها الفيلم التسجيلي "هذا الفيلم غير مصنف بعد"، لمخرجه كيربي ديك، بأنها تعادل سرية "عمليات وكالة الاستخبارات الأميركية" (سي آي أي).

ويجادل المخرج كيربي ديك في فيلمه الذي يستضيف صناع أفلام معروفين في الولايات المتحدة بأن دور "جمعية الفيلم الأميركي" المنوط بها عملية التصنيف، ينحصر في تمثيل مصالح الشركات السينمائية العملاقة الست: والت ديزني موشن بيكتشر غروب، وسوني بيكتشر، وبارامونت بيتكشر، وفوكس للقرن العشرين، ويونيفرسال ستوديوز، ووانر بروس.

ويؤكد الفيلم أن صناعة السينما في الولايات المتحدة لم تكن يوما صناعة تنافسية، ولا يسمح لها أن تكون كذلك أصلا، بل هي على العكس صناعة محتكرة من قبل تلك الشركات التي تقوم بعمليات الصناعة السينمائية من ألفها إلى يائها، ومن الفكرة إلى الجمهور.

وفي هذا السياق، أقام منتجون مستقلون وشركات ومؤسسات إنتاج فنية مستقلة، من بينها "مشروع الفيلم الروائي"، في نيويورك ولوس أنجلوس دعاوى قضائية ضد "جمعية الفيلم الأميركي"، إضافة إلى مخرجين غير أميركيين من بينهم الإسباني بيدرو ألمودوفار الذي احتج على تصنيف فيلمه "تاي مي آب.. تاي مي داون" في خانة "إكس" (أي يحظر مشاهدته إلا على البالغين).

كما تعقد في المشهد مقارنات متواصلة حول ازدواجية المعايير التي تعتمدها جمعية الفيلم خلال عملية التصنيف، ومن بينها المقارنة بين فيلم "البجعة السوداء" (من إنتاج شركة فوكس) على تصنيف "آر" (يمكن مشاهدته من قبل الجميع) وبين فيلم "فالتناين أزرق" (من إنتاج شركة وينستين المستقلة) الذي صنف تحت "أن سي-17".

ولدت تقنية التصنيف كبديل عن "الرقابة" (سنسرشب) في العام 1968، في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تشهد تحولات اجتماعية وحقوقية ومدنية عميقة اتسعت معها هوامش ومتون الحريات الفردية والعامة إلى حدودها القصوى

دعاوى قضائية
وتعقد المقارنة نفسها بين فيلم "نسيان سارة مارشال" (من إنتاج يونيفرسال) الحاصل على تصنيف "آر"، وفيلم "ثقة" لديفد شويمر الحاصل على تصنيف "أن سي-17"، كما تشكلت حملة ضغط عامة على جمعية الفيلم من أجل تغيير تصنيف الفيلم التسجيلي "بولي" للمخرج لي هيرش، المصنف في خانة "أن سي-17".

كما أقام ديك نفسه دعوى قضائية على الجمعية ولم يسمح له بمعرفة أي اسم من أسماء لجنة المشاهدة، ولا حتى الإفصاح عن اسمه في قاعة المحكمة، وحمل بدلا عن ذلك الرقم 22 للتعريف بنفسه. وفي هذا السياق يصح ما قاله بيغهام راي، أحد مؤسسي "أكتوبر فيلمز"، واصفا نظام التصنيف "فيلم ويتينغ سيستم" بأنه "نظام فاشي". وسمى القائمين على جمعية الفيلم الأميركي بـ"الزمرة.. هؤلاء أسسوا أنفسهم وحقنوا أنفسهم في المجتمع كحاجة وكضرورة، ولكنهم ليسوا كذلك، وعلينا تصحيح الوضع وإصلاحه وتصويبه".

ويشير الفيلم إلى التهاون مع تصنيف الأفلام الهوليودية (التي تنتجها الشركات الست العملاقة) والتساهل في تمرير المشاهد الجنسية التي يظهر فيها الشاذون جنسيا، رجالا ونساء، ومشاهد العنف عموما.

تاريخيا، ولدت تقنية التصنيف كبديل عن "الرقابة" (سنسرشب) في العام 1968، في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تشهد تحولات اجتماعية وحقوقية ومدنية عميقة اتسعت معها هوامش ومتون الحريات الفردية والعامة إلى حدودها القصوى.

وانبثقت "جمعية الفيلم الأميركي" عن "جمعية منتجي وموزعي الفيلم الأميركي" التي تأسست في العام 1922 بمبادرة من أستديوهات السينما الهوليودية العملاقة الستة، الآنفة الذكر، التي تملك أكثر من 95% من صناعة السينما في الولايات المتحدة.

المصدر : الجزيرة