أمير تاج السر
 
منذ فترة قليلة، أعدت قراءة رواية صغيرة لي اسمها "عواء المهاجر"، كنت قد كتبتها منذ اثني عشر عاما، ونشرت بطريقة سيئة لدى دار محلية، وخطرت ببالي فكرة غريبة لكنها ليست جديدة، انطلقت من تقييمي الشخصي للنص، بعيدا عن أي دراسة أو مراجعة تمت للرواية. لماذا لا أعيد كتابتها مرة أخرى؟

ما انطبق على "عواء المهاجر" ونصين آخرين لي، ينطبق على أعمال كثيرة لكتاب آخرين، من أجيال شتى، لا بد أنهم انتبهوا لما انتبهت إليه، وأحسوا أن بعض النصوص التي كتبوها في زمن الصبا وبداية تعلقهم بالكتابة، تبدو الآن نقاطا معتمة في مسيرتهم التي طالت بعد ذلك، وربما تمنوا لو أنها لم تكتب أصلا، أو خطرت ببالهم نفس الفكرة التي خطرت لي، أن يعيدوا الكتابة من جديد بأدوات العمر التي اكتسبوها، وتجرأت تلك الأدوات على إبداعهم القديم، وتعالت عليه بصورة سافرة.

ليس الموضوع مرتبطا بالأفكار التي لا تزال موجودة بكثرة، ويمكن العثور عليها في أي زمان
ومكان، ولكن موضوع الأسلوب نفسه، ذلك الجسر الذي من المفترض أن يكون معبدا، وبلا عوائق أو حفر حتى تعبر عليه الأفكار إلى متلقيها.

في بداية الكتابة، وحين يكتشف الكاتب موهبته، ويبدأ في صياغة عمله القصصي أو الروائي، غالبا ما يخترع أدوات للزهو ليست موجودة في الواقع، غالبا ما يعشق نصه ويهيم به بجنون، ويطارد كتابا سمع بهم أو أصدقاء يعرفهم من أجل أن يسمع جملة تزيد هيامه اشتعالا، وتأتي مسألة النشر الصعبة، والتي يخوضها راضيا متحملا كل جروحها، حتى يرى النص مطبوعا، وينتظر آراء متخيلة من نقاد وقراء، وغالبا ما يطول الانتظار.

فكرة إعادة كتابة نص قديم برغم أنها قد ترضي الكاتب شخصيا، لو استطاع أن يطبقها، فإنها قد لا ترضي القارئ الذي عرف نصا معينا، وصادقه بحسناته وعيوبه

وإذا ألقينا نظرة على النصوص الأولى، فهي في الغالب تنطلق من دوافع عدة، منها التوغل في التجريب، سواء من ناحية اللغة أو التقنية، من أجل التباهي بصناعة نص جديد، لم يكن مطروحا في سوق الكتابة من قبل، ومنها تهيج الصبا في رصد عورات المجتمع وذنوبه، وكتابة نصوص  متلصصة، لا ترتقي بالكتابة في أحيان كثيرة، وربما تضرها. ولكن ربما عثرت على قارئ يشارك كاتبها انفعالاته، ويتواصل معها بطريقة أو بأخرى، ومنها إعادة إنتاج تجربة لكاتب نضج وانتهى، بطريقة ربما سلبت التجربة الناضجة رحيقها وشوهتها، ويصر الكاتب الجديد الذي أنتجها، أنها تجاوزت ما أنتجه سابقه.

ولأن التواصل بالعالم كله لم يعد صعبا، بسبب تقنية الاتصالات الحديثة، ويمكن الآن حتى لكاتب أو شاعر يقيم في قرية (أم كدادة)، في أقصى غرب السودان، أن يتواصل مع الطاهر بن جلون وأمين معلوف، وجمال محجوب.

تلقيت خلال العامين الأخيرين، ما يزيد على السبعين مخطوطا، من أدباء مبتدئين، لم تخل كتابة معظمهم من تلك الدوافع التي ذكرتها، كانوا يريدون رأيا أو مقدمة، أو كلمة على الغلاف الأخير، لمجرد الدعم، وبعضهم صادر رأيي قبل أن أبديه، وكتب صراحة، أن منجزه هذا لا يشبه أي منجز آخر، وأنه صاحب مدرسة كتابية، سيبرهن المستقبل القريب على متانة بنيانها، وسيدخلها تلاميذ شتى يطوفون بشعلتها في كل مكان.

في تصفح سريع لبعض تلك الأعمال، تذكرت ما ذكرته في البداية عن اختراع أدوات للزهو لا مبرر لها، تماما مثلما فعلنا في البدايات، وأن هذه المخطوطات، لو تركت على نار العمر، وبهرت ببهار الزمن الكفيلة بإطفاء جذوة الزهو، وجر الموهبة لتمريغها في وحل التجارب، لما كتبت أبدا بهذه الصورة، ولفكر منتجوها بإعادة إنتاجها مرة أخرى بعد أن تتسع التجربة.

لقد خاض بعض الكتاب مسألة إعادة أعمال منشورة، ولا أعرف حجم الرضا أو القناعة التي وصلوا إليها بعد أن نشروا النصوص المعدلة، من أولئك الكاتب المخضرم إدوار الخراط، الذي أعاد كتابة روايته "محطة السكة الحديد"، ربما لأنه أحس بها ابنا عاقا وسط نصوصه الأخرى البارة، وربما لأن أفكارا ما خطرت بباله بعد ذلك، واستوجب أن يكتبها في نص مكتوب سلفا، لأنها تلائمه.

لقد قرأت محطة السكة الحديد المعدلة، وأحسست بها متاهة سردية، صعبة على التلقي، وصعبة على الإدلاء فيها برأي، لكن قطعا أقل تبجحا واستفزازا للقارئ، من النص الذي كتبه في البدايات.

في ذهني رواية مثل "السيد الرئيس" لكارلوس فوينتس، وهي رواية عظيمة في أفكارها وصراعاتها وهياجها، وتناولها لآليات القهر التي لم تختف أبدا من الشعر أو السرد الروائي في العالم كله، برغم الثورة الحضارية التي عاشها العالم، باعتبارها موضوعا أزليا يكتب في كل جيل، ويتطور بتطور تلك الآليات نفسها.

ما أراه في تلك الرواية، صعوبة أسلوبها، وانحيازها للتجريب في كثير من أجزائها، من ما يدفع للملل وربما تركها من دون إكمال. هذه الرواية لو أعيد إنتاجها بعد سنوات من كتابتها، لربما دخلتها متعة القراءة من أحد أبوابها المتعددة، ولما ظلت هكذا مرهقة لذهن القراءة.

بعض الكتاب خاضوا مسألة إعادة أعمال منشورة، ولا أعرف حجم الرضا أو القناعة التي وصلوا إليها بعد أن نشروا النصوص المعدلة

أيضا في ذهني رواية مثل "عرس الزين" للراحل العظيم الطيب صالح، رواية شديدة البساطة والإمتاع، كتبت في نهاية الخمسينيات، أو في بداية الستينيات من القرن الماضي، واحتفت بمجذوب من مجاذيب القرى في شمال السودان، في تجلياته وبؤسه وارتباطه بالتراب والمرأة، وكانت من الروايات الأولى التي تطرقت لهذا الموضوع، الذي طرق كثيرا بعد ذلك، ما أراه هو أن الرواية كانت مختصرة وزادت من جوعي كقارئ لم يشبع، ولو أعاد الطيب كتابتها بعد ذلك لربما أضاف لها بهارات جديدة، ووسع من مائدتها الغذائية، بحيث تشبع جوع القراء كلهم.

ولأني من معجبي التركي أورهان باموق، ومن متابعي تجربته في الكتابة، حتى في مقالاته النقدية والتي يتحدث فيها عن تجربته وأصدقائه وزملائه وأسفاره ومصادر وحيه، كان من الصعب علي أن أحيل رواية مثل "الحياة الجديدة"، لنفس الكاتب الذي أنجز "ثلج"، و"اسمي أحمر" بعد أن تمرغ في سكة الكتابة.

"الحياة الجديدة"، متاهة بلا علامات إرشادية تخبرنا أين نستريح وأين نلتقط أنفاسنا، وكيف سنعبر باقي الصفحات بلا إحساس أننا نؤدي واجبا، بعكس "ثلج" و"اسمي أحمر"، اللتين برغم عدد صفحاتهما الكبير، تملكان يد الرأفة بالقارئ، وتضحكانه مثلما تبكيانه، وفي بنيانيهما كثير من النوافذ التي تضج متعة.

أخيرا أضيف شيئا إلى موضوع إعادة الكتابة، أقول إن الفكرة برغم أنها قد ترضي الكاتب شخصيا، لو استطاع أن يطبقها، فإنها قد لا ترضي القارئ الذي عرف نصا معينا، وصادقه بحسناته وعيوبه، ويفاجأ به منتجا من جديد، خاصة في ما يتعلق بمصائر الشخوص في النص، إنها نفس المصائر الحقيقية التي لا يمكن تعديلها أبدا، وشخصية مثل الإثيوبية أببا تسفاي في "عواء المهاجر"، من الأفضل أن تكتب في رواية أخرى بمواصفات جديدة.

المصدر : الجزيرة