الحملة الإسرائيلية ضد غونتر غراس بلغت حد طلب سحب جائزة نوبل منه (الأوروبية)
 
من خلال سوط اسمه "معاداة السامية" تتصاعد حملة التخويف الإسرائيلية ضد مثقفين وفنانين ومبدعين كبار على مستوى العالم بصورة لافتة، وباتت مثيرة للتساؤلات بعد الحملة العاصفة التي استهدفت الأديب الألماني الحائز على جائزة نوبل غونتر غراس، والتي بلغت حد التهديد بسحب منجزات شخصية تاريخية -مثل جائزة نوبل المرموقة- منه.
 
الحملة ضد غراس (84 عاما) لم تفتر منذ أن نشر قصيدة بعنوان "ما ينبغي أن يقال" في صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، وهاجم فيها سياسات إسرائيل تجاه إيران. كما أعرب عن أسفه لقرار الحكومة الألمانية تزويد إسرائيل بغواصات متطورة، وطالب بفرض رقابة دولية دائمة على المنشآت النووية الإسرائيلية.

وعلى الفور، أصدرت حكومة بنيامين نتنياهو قرارا يحظر على هذا الأديب الألماني الحاصل على جائزة نوبل عام 1999 دخول إسرائيل. ودافع غراس عن نفسه وسط عاصفة الاتهامات التي تنهال عليه وأخطرها "معاداة السامية" بقوله "أتوجه بالنقد في قصيدتي لنتنياهو وليس لإسرائيل ذاتها التي سبق أن زرتها من قبل مرات عدة".

وفي إطار الحملة ضد الشاعر الألماني، طالب وزير الداخلية الإسرائيلي إيلي يشاي المنتمي لحزب "شاس" الديني المتشدد بسحب جائزة نوبل من غراس، داعيا الأديب الكبير إلى "نشر إبداعه المشوه والكاذب في إيران".

لكن الأكاديمية السويدية أعلنت أنه ليس هناك ما يدعو إلى سحب الجائزة من غراس، الذي لم تكن قصيدته الأخيرة "ما ينبغي أن يقال" مرضية فنيا لبعض النقاد، الذين اعتبروا أنه قادر على الإبداع بصورة أفضل من هذه القصيدة التي لم تكن بالتأكيد من درر أعماله، وفق قولها.

وقال السكرتير العام للأكاديمية السويدية بيتر إنغلوند إن "الأكاديمية منحت غونتر غراس جائزة نوبل عام 1999 على أساس أعماله الأدبية وحدها"، مضيفا أن الأكاديمية السويدية لا ترى الآن أو في المستقبل سببا يدعو إلى نقاش يحول مسألة حصول هذا الأديب الألماني الكبير على جائزة نوبل في الآداب إلى قضية خلافية.

توجه الحملة التي  شنتها إسرائيل ضد غراس رسالة ودرسا للمثقفين والمفكرين وحتى السياسيين الغربيين بأن معارضة إسرائيل قد تكلفهم مكانتهم الأدبية والسياسية

تهمة جاهزة
ويكمن تخوف إسرائيل من قصيدة غراس في أن شاعرا عالميا له وزنه في مخاطبة المجتمعات الغربية يشكل موقفه ببعده الإنساني والسياسي المناهض للسياسات الإسرائيلية إحراجا كبيرا للدولة العبرية، التي قامت في جزء كبير منها على الدعاية والدعاية المضادة وإسكات الأصوات المناهضة لها، ويفتح موقفه أيضا فجوة في جدار الضمير الغربي المختفي خلف دعاية إسرائيلية مكثفة.

والحملة التي شنتها إسرائيل ضد غراس المقصود بها رسالة ودرس للمثقفين والمفكرين وحتى السياسيين الغربيين بأن معارضة إسرائيل قد تكلفهم مكانتهم الأدبية والسياسية، ونبذهم من مختلف الأوساط في بلدانهم، وحرمانهم من الجوائز والامتيازات من خلال "معاداة السامية" كتهمة جاهزة وسيف مسلط ضد كل من تسول له نفسه انتقاد إسرائيل.

وتهمة "معاداة السامية" ليس من السهل احتمالها في أوروبا إذا استحضرنا الموروث التاريخي في ما يتعلق بالمسألة اليهودية التي تثقل الضمير الأوروبي وخصوصا الألماني، خاصة مع الدعاية اليهودية التي ركزت على هذه المسألة منذ الحرب العالمية الثانية وضخّمتها. وكذلك سيطرة الرأسمال اليهودي على الكثير من المنابر والمؤسسات ذات الطابع الثقافي والفني إضافة إلى السياسي.

ومنذ نحو عقد من الزمن كان الروائي الألماني مارتين فالزر قد اعتبر أن المحرقة النازية لليهود (الهولوكوست) قد تحولت إلى "هراوة أخلاقية"، فاُتهم فورا "بمعاداة السامية"، وهي تهمة شملت حتى بعض الكتاب اليهود الذين ينتقدون السياسات التوسعية والممارسات العدوانية والقمعية لإسرائيل.

ومن بين هؤلاء الأدباء، الشاعر النمساوي اليهودي إريش فريد الذي اتهم بالعداء للسامية بعد نشره قصيدة بعنوان "اسمعي يا إسرائيل"، ينتقد فيها الحرب الإسرائيلية على العرب في الخامس من يونيو/حزيران 1967، كما شملت التهمة الفيلسوفة الألمانية اليهودية حنا أرنت التي كشفت دور المجالس اليهودية في التعاون مع النظام النازي، وهو ما أدى إلى اتهامها "بمعاداة السامية".

ورغم أن الحملة الإسرائيلية على غراس لم تفلح في مناقشة مسألة سحب جائزة نوبل منه، فإنها أعطت أكلها في ألمانيا من خلال حملات مماثلة شنتها صحف ألمانية عليه، وكذلك على الصعيد السياسي، إذ إن الحزب الاشتراكي الديمقراطي بدا متأثرا بالحملة الإسرائيلية لدرجة دفعه لإلغاء مشاركة غونتر غراس في الحملة الانتخابية لهذا الحزب بولاية شلفزيج هولشتاين.

وذهب جيرنوت أرلر نائب رئيس الكتلة البرلمانية للاشتراكيين الديمقراطيين إلى أنه لا يتوقع أبدا أن يظهر غونتر غراس مرة أخرى كأحد داعمي الحملات الانتخابية للحزب، معتبرا أن قصيدة "ما ينبغي أن يقال" أظهرت أن غراس فقد صلته بالواقع.

المصدر : وكالة الشرق الأوسط,الجزيرة