سماح إدريس: مجلة الآداب كانت دائما في خضم الصراع الفكري والسياسي (الجزيرة)
حاورته في بيروت/ زهرة مروة
لسنوات كان الكاتب اللبناني سماح إدريس شاهدا على العصر الذهبي لمجلة "الآداب" البيروتية العتيدة، التي أنشأها وأدارها والده الراحل سهيل إدريس عام 1953، مع الراحلين بهيج عثمان ومنير بعلبكي، وشهد جانبا من توهجها ومعاركها الأدبية. بعد وفاة الوالد المؤسس تولى رئاسة تحرير المجلة الأدبية الأشهر في ظل متغيرات سياسية وثقافية عميقة في تسعينيات القرن الماضي.
 
أدخل رئيس التحرير الجديد تغييرات جذرية على المجلة، التي أصبحت المواضيع السياسية تحتل حيزا أكبر في صفحاتها، ما أثار خوف القراء من طغيان السياسي على مواضيع المجلة وطروحاتها. الجزيرت نت حاورت سماح إدريس عن أسباب هذا التحول ودوافعه، وعما إذا كانت المجلة ستتحول إلى الطابع السياسي البحت.
  خاضت مجلة "الآداب" صراعات فكرية أيام الراحل سهيل إدريس، خاصة مع جماعة مجلة "شعر" حول قصيدة النثر. إلى أي مدى ساهمت هذه السجالات في تعزيز الثقافة العربية؟

- لا ثقافة تنمو في قوقعة الرسميات والمجاملات، بل في حمى السجال والصراع، وأحيانا من دون "كفوف بيضاء". ومجلة الآداب كانت دائما وسط الصراع الفكري والسياسي مناصرة لقيم الوحدة العربية ومناهضة الظلم وتعزيز الحريات والديمقراطية.

في ما يتعلق بسؤالك تحديدا، لا ينبغي قراءة صراع الأمس بمعايير اليوم، التي تكاد تتجنب أي ربط للثقافة بالسياسة، وكأن المجالين منفصلان، في حين أنهما شديدا الارتباط وإنِ اختلفت الأدوات.

لا ثقافة تنمو في قوقعة الرسميات والمجاملات، بل في حمى السجال والصراع، وأحيانا من دون "كفوف بيضاء"

مجلة "الآداب" كانت ترى أن التطوير والتجديد لا يتمان من فراغ، بل بالاستناد إلى معرفة وثيقة بالتراث الأدبي والفكري القديم والمعاصر. ومن هنا عدت المجلة قصيدة النثر بعيدة عن معايير القصيدة، وآثرت تسميتها بـ"النص الشاعري" أو "النثيرة". وخلافا لما يظنه كثيرون ممن لم يتبحروا في مجلة "الآداب"، فإنها نشرت كثيرا من قصائد النثر (لا أرى شخصيا أي مشكلة اليوم في تسميتها كذلك بالمناسبة) من دون أن تسميها كذلك.

وازداد نشر هذه النصوص أو القصائد في العقود التالية، ولا سيما مع تسلمي رئاسة التحرير في بداية التسعينيات، فنشرنا قصائد نثر لعز الدين المناصرة ووفاء العمراني وإدريس عيسى وعالية شعيب ونجمة إدريس وبشير القمري وعشرات آخرين. أما في السنوات الخمس الأخيرة فقصائد النثر باتت
هي الطاغية في أشعار المجلة.
 تتجه المجلة إلى اعتماد مواضيع سياسية أكثر فأكثر، والمواضيع الأدبية التي تطرحها قليلة جدا، ما أسباب هذا التحول؟

- هذا التشخيص صحيح إلى حد ما فقط، فالمجلة، في واقع الأمر، تواظب على نشر مواد وملفات أدبية. يكفي أن أذكر بأنها ركزت في الأعداد الخمسة الأخيرة، وانطلاقا من التزامها السياسي التحرري المعلوم، على الانتفاضات العربية. نشرت ملفين أدبيين: الأول بعنوان "القصة العربية الجديدة"، وضم إسهامات 15 قاصا شابا من جميع أرجاء الوطن العربي، والثاني بعنوان "إبداعات فلسطينية"، وشمل إسهامات عشرة مبدعين فلسطينيين شباب من داخل فلسطين ودول الشتات.

مجلة الآداب كانت دائما وسط الصراع الفكري والسياسي، مناصرة لقيم الوحدة العربية ومناهضة الظلم وتعزيز الحريات والديمقراطية

يضاف إلى ذلك حوالي 10 قصائد و12 قصة قصيرة خارج إطار الملفين المذكورين. نعم، علي أن أعترف بأن نسبة الشعر أقل من المأمول، ولكن ذلك ليس متعمدا بل ناجم عن ضعف ما يأتينا من شعر. ولعلنا سنسد هذه الثغرة بالمزيد من الجهد في الأعداد المقبلة.
 هل من الممكن أن تتحول المجلة الأدبية العريقة إلى مجلة سياسية خالصة؟

- كلا. لكن الظروف هي التي تقرر نسبة "السياسة" إلى "الأدب" في كل عدد. لكنني لا أفصل، كما سبق الذكر، بين مجالي السياسة والأدب لكون هذا الفصل غير صحيح أصلا، ولأن الإصرار عليه إنما هو إغراق في نوعٍ معين من السياسة: هو سياسة الانعزال، وسياسة ترك الأمور للساسة "المحترفين" الذين يبيعون المبادئ عند أول منعطف.
 كيف تقبل قراء المجلة عملية تحول المجلة من ثقافية بحتة إلى تخصيص حيز أكبر للمواضيع والقضايا السياسية؟

الثورة لا تأتي عفوية، بل نتيجة لسنوات وعقود مما ترسب وترسخ في عقول الناس من قيم العدالة والخير القادمة على أكتاف القصيدة والأغنية والقصة والمقالة

- الجيل القديم يفضل "الآداب" القديمة، وإن بدأ قسم منه منذ أعوام يستسيغ الصيغةَ الجديدة ويبرر تسيسها "الزائد". أما الجيل الجديد فالأمر يتوقف على مدى اهتمامه بالفكر والسياسة، فالشباب الناشط في الوطن العربي اليوم عموما يحب "الآداب" الجديدة، أما الشباب الذي ينفر من السياسة ويتوق إلى الحداثوية فقد لا يجد في المجلة اليوم ما يرضي توقه هذا، باستثناء بعض المواد القليلة عن السينما والمسرح والغرافيتي على سبيل المثال لا الحصر.
 بالنظر إلى تاريخ المجلة ومسارها التنويري والحداثي، أي دور تراه للأدب في التحولات السياسية والثورات الجارية في الوطن العربي؟

- الأدب جزء من الثورات. هل تستطيعين أن تتخيلي ثورة تونس من دون قصيدة أبي القاسم الشابي (1933)، ومطلعها "إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر"؟ هل تتصورين ثورة مصر من دون قصيدة نجيب شهاب الدين، ومطلعها "يا مصر قومي وشدي الحيل"، أو من دون قصيدة أحمد فؤاد نجم ومطلعها "صباح الخير على الورد اللي فتح في جناين مصر"؟ والقصيدتان غناهما الشيخ إمام. لكن دور الأدب هو دور تراكمي وليس لحظويا.

إن الثورة لا تأتي عفوية، بل نتيجة لسنوات وعقود مما ترسب وترسخ في عقول الناس من قيم العدالة والخير القادمة على أكتاف القصيدة والأغنية والقصة والمقالة.

المصدر : الجزيرة