غلاف كتاب "الثقافة: حالة طوارئ" للكاتب الفرنسي أوليفييه بوافر دارفور (الجزيرة)
بوعلام رمضاني-باريس
 
اللامبالاة القاتلة التي استقبلت بها النخبة الباريسية المثقفة كتابا غير مسبوق ينزف دما -كما يبين ذلك الغلاف الأمامي الأسود اللون والأحمر لعنوان كتاب "الثقافة: حالة طوارئ"- ينسجم تماما مع روح التعالي التي تطبع هذه النخبة، تحت وطأة مقاربة ثقافية شبه مرضية تركتها تعيش على هامش المعطى الثقافي العالمي الجديد الأميركي الصنع والبصمة والتأثير، كما يقول الكاتب. 

وحسب المؤلف أوليفييه بوافر دارفور، لم يعد من المقبول استمرار فرنسا الثقافية في تمجيد ماضيها الحضاري والتراثي والمتحفي، وبإمكانها اللحاق بركب الثقافة الحديثة إذا عرفت كيف تحيي تصورا مماثلا لذلك الذي وضعه الرئيس الأميركي السابق فرانكلين روزفلت، الذي أتاح لبلاده انطلاقة اقتصادية مرفوقة بمشروع استثماري في الثقافة المعاصرة والإبداع الخلاق المستقل في أوج أزمة الثلاثينيات التاريخية، الأمر الذي ضمن هيمنة ثقافية أميركية ما زالت القارة العجوز تدفع ثمنها إلى يومنا هذا.

حسب دارفور فإن فرنسا التي اكتفى قادتها بتمجيد الماضي الثقافي واقعة في أزمة خانقة نتيجة عدم مواكبة ثورة رقمية واقتصاد معلوماتي وتوظيف خلاق للإبداع

تمجيد الماضي
وفي كتابه "ثقافة: حالة طوارئ" يؤكد دارفور أن هذه الحالة غير مستعصية وبإمكان بلد فولتير وموليير وهيغو وديغول وبروست، الخروج منها شريطة  تجاوز "الماضوية"، والبكاء على الإرث الثقافي والحضاري التليد، الذي جعل من فرنسا بلد إشعاع  حضاري وتاريخي وتراثي وفني نادر عالميا، ولكن حولها إلى مصدر تقوقع وتقهقر ناتجين عن تأخر رهيب ومخيف في "طريقة" الاستثمار في الثقافة والتربية الفنية والإبداع الشامل بشقيه العمومي والمستقل، والتكوين العلمي والتكنولوجي بأساليب عصرية يفرضها المفهوم الجديد وغير التقليدي للثقافة.

وحسب دارفور -الذي أعلن حالة طوارئ ثقافية أولى من نوعها في كتابه الصغير الحجم الصادر عن دار تشو المجهولة في 133 صفحة فقط- فإن بلده الذي اكتفى قادته بتمجيد الماضي الثقافي، واقع في أزمة خانقة نتيجة عدم مواكبة ثورة رقمية، واقتصاد معلوماتي وتوظيف خلاق لا مركزي لإبداع أفراد يصنعون الجمال والإحساس دون عقدة، بعيدا عن المدن والعواصم الكبرى، ما دام الفعل الثقافي قادر على مساءلة كل الأزمات وزرع الممارسة التي تساهم في مواجهتها وتجاوزها.

أوليفييه بوافر دارفور الصارخ في وادي التعالي الفرنسي والذي يعمل بعيدا عن الأضواء، راح ضحية شهرة شقيقه باتريك الصحفي التلفزيوني الأشهر في فرنسا، وهو الذي وقف عند تجارب الكثير من الدول والشعوب أثناء ممارسته مهمة مسؤول السياسة الثقافية في وزارة الخارجية خلال عقد كامل.

ينتقد دارفورغياب المشاريع الثقافية الحديثة في خطب القادة السياسيين المتصارعين على السلطة، والفصل "التعسفي" بين السياسة والاقتصاد والثقافة، وتجاهل المفهوم الحداثي للممارسة الثقافية

غياب المشروع
ودارفور صاحب عدة أبحاث وروايات كتب بعضها مع شقيقه الروائي أيضا، ومن بينها روايات "العالم حسب جول فيرن" و"التخفي" و"طالما حلمت بك"، وسبق أن نبه للأزمة الثقافية الفرنسية في كتابه "تعطل من صنع فرنسي: قصة استسلام ثقافي"، الذي صدر العام الماضي عن دار غاليمار، وهو يدير إذاعة فرنسا الثقافية.

وتكمن أهمية كتابه في تنديده بغياب المشاريع الثقافية الحديثة في خطب القادة السياسيين المتصارعين على السلطة وبالفصل "التعسفي" بين السياسة والاقتصاد والثقافة، وتجاهل المفهوم الحداثي للممارسة الثقافية المرادفة لصناعات تكنولوجية ورقمية تحول الجمهور المستهلك إلى زبون مباشر غير مقيد بتوجهات أيديولوجية، وبوسائط ثقافية تقليدية لم تعد تستجيب لعالم اتصال متطور ومتغير بشكل مدهش.

اللافت في كتاب بوافر دارفور المعجب بالرئيس الأسبق فرانسوا ميتران ووزير الثقافة الأسبق جاك لانغ، والمنحاز لمرشح الرئاسة فرنسوا هولاند، هو دعوته إلى ممارسة ثقافية حديثة وتجاوز الماضي الأدبي والفني والمتحفي بروح ليبرالية لا تضحي بالقطاع العمومي اللصيق بالتجربة الفرنسية، وتتكامل مع المبادرة الفردية الصانعة لإبداع حر منفصل عن المؤسسات التقليدية الممولة لتظاهرات أثبتت أن الفرنسيين من أكثر الشعوب حبا واستهلاكا للفنون والثقافة.

المصدر : الجزيرة