حلمي القاعود
 
رحم الله الشيخ الإمام عبد الحليم محمود، حمل عذابات الأزهر وهمومه على كتفيه، فقد رأى في عهده المعهد العريق يخلو من الطلاب، ولم يعد يقبل عليه أحد بعد القانون الخاطئ لتطويره الصادر عام 1961م تحت رقم 103، وجعل منه هيكلا خاويا على عروشه حين حمّل طلاب الأزهر مواد المدارس العامة فوق المواد الأزهرية، فلا استطاعوا النهوض بهذه ولا القيام بتلك.

اضطر الإمام الأكبر الشيخ عبد الحليم محمود إلى فتح الباب أمام طلاب الإعدادية العامة، شبه الأميين الذين لا يتجاوز مجموعهم خمسين في المائة ورفضتهم مدارس الصنايع والزراعة والتجارة، فضلا عن الثانوي العام، ليسدوا الفراغ الذي نتج عن فرار طلاب الأزهر الأصليين من تعليمه الثانوي.

ولأول مرة تتخرج في الأزهر الشريف دفعات لا تفقه الدين ولا العلم الدنيوي وقبل ذلك وبعده لا تحفظ القرآن، فقد عقدوا لهم امتحانات صورية في القرآن الكريم، وصار الأزهر المعمور يستقبل طلابا منذ المرحلة الابتدائية أضعف من طلاب المدارس، سعيا من هؤلاء الطلاب وأولياء أمورهم للتخرج في كليات الطب والهندسة والصيدلة واللغات والترجمة (!)، لا يحفظون قرآنا ولا يحسنون إملاء، ولا علاقة لهم بالنحو والصرف والفقه والتوحيد، ويتندر الناس في الشوارع بسؤال الطلاب وهم خارجون من لجان الامتحانات في أسئلة ساخرة فيها مبالغة: "كتبوا لكم على السبورة أم تركوكم مع الكتب؟".

كان هناك من وضع قواعد ليحفظ طلاب الأزهر القرآن الكريم على مدى سنوات الدراسة الأساسية (الابتدائي – الإعدادي – الثانوي) ويمتحنون فيه شفويا وتحريريا، ولكن التجربة كانت فاشلة بامتياز.

الطلاب مظلومون بلا ريب. وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، فإما التعليم الأزهري أو التعليم المدني، والطالب في الأزهر لا يستطيع أن ينهض بهما معا، والطلاب المعقولون استثناء نادر لا يقاس عليه فقد صاروا كذلك بجهد ذاتي من قبل الآباء، واضطر المسؤولون إلى إجراء التخفيض على العلوم الأزهرية والحذف من المواد الشرعية والعربية الأساسية حتى باتت مجرد كبسولات لا تغني ولا تسمن من علم.

هذا بالنسبة للهيكل التعليمي، أما الهيكل العام، فقد حول الأزهر إلى فرع من وزارة يترأسها وزير يجب أن يصدق على قرارات شيخ الأزهر، ولو كان هذا القرار مجرد موافقة على إعارة مدرس أو سفر مبعوث. وبعد أن بدا أن الأمر مهين للمشيخة والأزهر معا أسندوا وزارة شؤون الأزهر إلى رئيس مجلس الوزراء، وأصبح أي قرار مرهون بموافقة السيد رئيس مجلس الوزراء وانتظار هذه الموافقة مهما طال الزمن.

إن تصحيح الهيكل التعليمي الأزهري مسألة أساسية لأنها العمود الفقري في وجود الأزهر، وتحديث هذا الهيكل لا يعني تدميره بالضرورة، بل الإضافة إليه وتدعيمه وترسيخه بما يجعله قويا يواجه مستجدات الحياة

لقد تم إلغاء هيئة كبار العلماء وتعيين من ترى السلطة أنهم لا يسببون لها متاعب في هيكل آخر اسمه مجمع البحوث الإسلامية، وهو ما جعل الأزهر يبدو بصفة عامة مجرد مصلحة في وزارة من وزارات الحكومة لا أهمية له ولا ضرورة حيوية أو حضارية.

ثم وهو الأخطر استيلاء السلطة على أوقاف الأزهر، وتخصيص ميزانية له من الميزانية العامة، حتى يفقد آخر حلقة في حلقات الاستقلال بالفكر والرأي. وفي الوقت الذي استطاعت فيه الكنيسة الأرثوذكسية أن تسترد الأوقاف النصرانية، فإن الأزهر لم يسترد شيئا، لأن أحدا لم يطالب بهذه الأوقاف أو لم يكن بمقدوره أن يطالب.

وقد كان الحديث المتواتر في هذه الأيام حول تعديل القانون المذكور عاليه يدور حول إنشاء هيئة كبار العلماء وانتخاب شيخ الأزهر ومدة بقائه في المنصب الرفيع، دون ذكر لمسألة الهيكل التعليمي أو استقلال الأزهر أو إعادة أوقافه إليه، مع أن ذلك أهم من انتخاب شيخ الأزهر وتعيين هيئة كبار العلماء.

إن تصحيح الهيكل التعليمي الأزهري مسألة أساسية لأنها العمود الفقري في وجود الأزهر، وتحديث هذا الهيكل لا يعني تدميره بالضرورة، بل الإضافة إليه وتدعيمه وترسيخه بما يجعله قويا يواجه مستجدات الحياة، ويلعب دورا ناجحا في تبليغ الدعوة وخدمة اللغة والثقافة الإسلامية واستقرار المجتمع.

كان من وضعوا القانون عاليه يحلمون أن يكون الداعية الإسلامي خريج الأزهر الحديث، طبيبا متدينا ومهندسا متدينا وصيدليا متدينا. وبصفة عامة يجيد لغات أجنبية يخاطب المدعوين في أفريقية وآسيا وأوروبا وأميركا بلغة السكان الأصليين، ويسهل لهم معرفة الإسلام وقواعده وتشريعاته، وكان الدكتور محمد البهي الذي حمل العبء التنفيذي لصياغة هذا القانون، مثاليا حالما يتصور أن إضافة التعليم المدني إلى التعليم الشرعي سيحقق حلمه بتخريج الداعية المأمول.

ولكن الواقع لم يحقق الحلم المثالي، بل كانت المضاعفات تعبيرا عن البؤس العلمي الذي تمخض عنه القانون مما يعرفه الناس منذ خمسين عاما حتى اليوم. لقد صار الأزهر اليوم مجرد مدرسة من مدارس التعليم العام، أقل مستوى وأدنى معرفة، ما يوجب أن يتجه تعديل القانون إلى هذه المسألة بالدرجة الأولى.

استعادة الأزهر لوجوده الحقيقي واستقلاله الذاتي سيوفر على الدولة كثيرا من المتاعب

لا بد من استعادة الأزهر الذي كان قبل القانون المذكور، ولا بد من ضرورة اعتماد حفظ القرآن الكريم كله أساسا للقبول بالمرحلة الإعدادية، ولا بد لهذه المرحلة أن تمتد أربع سنوات، وأيضا تمتد المرحلة الثانوية إلى خمس سنوات، وأن يُمنح خريجوها حق الإحالة إلى التقاعد في سن الخامسة والستين كما كانت الحال قبل صدور قانون التطوير.

إلى جانب ذلك، تجب إعادة العلوم الشرعية والعربية إلى سابق عهدها، مع فقه المذاهب الأربعة الذي ألغي في السنوات الأخيرة لأسباب تجارية، وتحويل المواد التي يتم تدريسها في المدارس إلى ثقافة عامة موجزة جدا، مع تشجيع الطلاب الممتازين وحفظة القرآن منهم تسميعا وتجويدا بالمكافآت، وحبذا لو أعيدت الجراية بصورة معاصرة، تحفز الطلاب إلى الحرص على استمرار الحفظ والتلاوة والتجويد.

قد يقول قائل: وما العمل في الكليات العملية بالأزهر؟ وكيف نأتي لها بالطلاب؟ الإجابة سهلة: يكون هناك قسم للدراسة العلمية، يدرس فيه الطلاب المواد التي يدرسها طلاب المدارس العامة مع اشتراط حفظ القرآن لدخول الإعدادي الذي يستمر مع الثانوي بعدد سنواته الحالية، ويحال على التقاعد في سن الستين مثل خريجي التعليم العام.

تبقى الإشارة إلى نقطة مهمة يتجاهلها كثيرون، وهي أن استعادة الأزهر لوجوده الحقيقي واستقلاله الذاتي سيوفر على الدولة كثيرا من المتاعب.

مصر لم تعرف ما يسمى بالتشدد أو التطرف إلا في ظل تدهور الأزهر، لأن الساحة صارت خالية أمام محدودي المعرفة الإسلامية، وبعض ذوي النوايا الطيبة ممن لم يقرؤوا أو يعلموا أو يحفظوا، وهؤلاء بالضرورة يقودون قطاعات كثيرة من الشباب ومن الذين يحبون دينهم ويريدون التعرف على أسسه وقيمه وتشريعاته، ثم هناك من سافروا إلى الخليج وكانت معارفهم الإسلامية لا تؤهلهم إلا لقبول مذهب واحد هو المذهب الحنبلي الذي يسود هناك، وفيه من الورع والزهد ما يجعله يبدو متشددا أو متزمتا، وصار أمرا طبعيا أن يعودوا موقنين أن هذا هو الإسلام الصحيح وما سواه غير صحيح.

في زمن التطوير الذي صاحبه تدخل رجال الأمن في تعيين الأئمة والخطباء بل المؤذنين والعمال، فقد صارت البضاعة المطروحة من أهل العلم ضئيلة القيمة علميا وثقافيا

كان الأزهر في الزمن البعيد يدرس الفقه على المذاهب الأربعة، وكان الفقه الحنفي والشافعي والمالكي أكثر المذاهب انتشارا في مصر، وكانت المعاهد الأزهرية في مصر كلها لا تضم غير فصل واحد للفقه الحنبلي في معهد القاهرة الديني.

وكان العامة أيامئذ يعرفون الفروق الأساسية بين المذاهب الأربعة، لسبب بسيط، هو أن خريجي الأزهر في تلك الأيام كانوا يملكون القدرة على تقديم الفقه بمذاهبه الرئيسية والآراء المتعددة التي يحملها كل مذهب، ومع أنه آنئذ لم تكن هناك مكبرات صوت أو كهرباء في كل المساجد الريفية، فقد كان الناس يفيدون من الأئمة والخطباء على ضوء مصابيح الغاز، ويأخذون معارفهم الشرعية بل اللغوية من أفواههم، فقد كانوا مؤهلين للتعليم والتفسير والشرح والتوضيح.

أما في زمن التطوير الذي صاحبه تدخل رجال الأمن في تعيين الأئمة والخطباء بل المؤذنين والعمال، فقد صارت البضاعة المطروحة من أهل العلم ضئيلة القيمة علميا وثقافيا، ونادرا ما يتسرب عنصر صالح مؤهل لبيان قواعد الإسلام وأصوله، ما ترتب عليه أن صارت الساحة الإسلامية تفتقر إلى الداعية المؤسس لأصول الدين في وجدان الجمهور الإسلامي.

لقد تعلمت الفقه على المذهب المالكي وأنا في مرحلة الطفولة بمسجد قريتنا من خلال إمام راحل – رحمه الله – كان يعقد دروسه عقب صلاة المغرب يوميا، وكان يعيد دروس الفقه في شهر رمضان عقب صلاة العصر، ويفهمها الفلاحون والبسطاء.

فقد كان الرجل -يرحمه الله- يحمل شهادة العالمية من الأزهر الشريف، ودرس الفقه الحنفي، ومع ذلك كان يراعي أن أهل القرية يتبعون المذهب المالكي، فيدرس لهم الفقه على أساس هذا المذهب، فقد كان يملك التسامح والرحابة وسعة الأفق.

نحن في حاجة اليوم إلى الأزهر الذي يملك العلم والثقافة الرحبة التي تخرج لنا مثل هذا الإمام الراحل، وذلك لن يكون إلا باستعادة الأزهر الذي كان.
_______________
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة