غلاف رواية "مكاننا الأفضل هو لدى الآخرين" للتونسي زياد بكير (الجزيرة)
أنطوان جوكي-باريس
 
كان اقتباس الكاتب التونسي الشاب زياد بكير صائبا لجملة الشاعر المصري جورج حنين "الروح الضاربة متلألئة وضاحكة"، فاتحة لروايته الأولى الصادرة حديثا عن دار نشر "أنكر دوريان" بباريس. فالجملة لا تمنحنا فقط تصورا سابقا لما ينتظرنا داخل نصه الروائي، بل تصلح أيضا لوصف شخصيته الرئيسية وكاتبه معا.

هكذا يتراءى لنا بكير، على أي حال من خلال روايته، التي تحمل عنوان "مكاننا الأنسب هو لدى الآخرين"، ويسرد فيها قصة يصعب فصلها عن مساره الشخصي، كما يؤكد الناشر على غلاف الكتاب. فبطل الرواية شاب مثله يدعى "زينون" يتمتع بمقدرة جدلية كبيرة وبصيرة نادرة، ويدون ملاحظاته وخواطره على دفتر لا يفارقه أبدا ليقينه أنه "لا معلم لنا أفضل من ذاتنا".

في بلاد "زابا"، كما في البلدان المجاورة، يحق للناس أن يفعلوا ما يشاؤون، لكن الويل لهم إن فكروا، فالزعيم هو الذي يقود ويملي أفكاره

الهروب من الطغيان
وبلسان زينون، نتعرف بلده "تونوبوليس"، الذي يحكمه الطاغية "زابا" ويطبق فيه تعريف الشاعر بول فاليري للسياسة بوصفها "فن منع الآخرين من التدخل بما يعنيهم"، وذلك منذ استيلائه على الحكم باسم ضرورة التغيير، وإبعاده "منقذ الأمة"، المدعو "بوغربا" الذي أراد قبله أن يكون رئيسا مدى الحياة، لكنه "فوت موعده مع التاريخ وخرج من الباب الصغير"، في إشارة واضحة إلى المسار السياسي الذي شهدته تونس منذ استقلالها.

في بلاد "زابا" كما في البلدان المجاورة، يحق للناس أن يفعلوا ما يشاؤون، لكن الويل لهم إن فكروا، "فالزعيم هو الذي يقود ويملي أفكاره". ولتنشيط خلاياه العصبية وإفلات العنان لذهنه، يقرر زينون مبكرا مغادرة وطنه الذي يصفه "كسجن كبير تمتلك جدرانه آذانا وعيونا وألسنة"، ويعمل السجان فيه على تحريض السجناء بعضهم على بعض، ويختار ذلك البلد، الذي تخلص من ملكه منذ زمن طويل، ويصعب الدخول إليه، لكنه يستقبل جيدا طالبي العلم.

لكن فور وصوله إلى باريس، يشعر "زينون" بأنه انزلق داخل سياق لا نهاية له، ويستحيل فهمه، إذ يبدو له كل شيء غير واقعي، قبل أن يتملكه الشعور بأن حضوره فائض عن الحاجة ومزعج للآخرين، رغم أن أحدا لم يلاحظه. وبعد اختباره البؤس والجوع، يتقابل وجها لوجه مع تلك العزلة التي تتسلط على مدن الغرب الكبرى، و"لا نجد أثرا لها في الصحراء"..عزلةٌ مخيفة تجعله يستنتج أن "ازدياد عدد الناس في مكان ما يزيد من صعوبة تلاقيهم".

أكثر من ذلك، يتبين لزينون أن حظوظ كلب تائه في باريس في العثور على عائلة تحتضنه هي أكبر بكثير من حظوظ إنسان مشرد، وأن النظام السائد في الغرب يدهس من لا يملك شيئا يعطيه، فتتداخل رؤيته لمستقبله وينحسر تفاؤله تدريجيا، قبل أن تنتهي مدة تأشيرته فيتم توقيفه وتسفيره إلى بلده.

قد تمنح طريقة عرضنا لأحداث الرواية الانطباع بسوداوية غير موجودة في الواقع داخلها، فالنص يتمتع بخفة وطرافة كبيرتين وبسخرية عالية، والنظرة التي يلقيها بكير على حياة زينون وظروفها رغم مأساويتها تبقى حتى النهاية فكاهية وملونة، لكن هذا لا يعني أن قيمة الرواية تكمن فقط في حس الدعابة المتطور لدى كاتبها، أو في المهارات الكتابية المختلفة التي وضعها في خدمتها، بل تكمن خصوصا في عملية توظيفه جميع هذه الإمكانيات لمقاربة مواضيع هامة كثيرة فيها.

في عملية النقد المنهجية، التي يقودها بكير على طول الرواية، ينقض خصوصا على صورة العالم الغربي "كبلاد الخيرات" عبر تصويره بواقعية كبيرة عالم باريس

زيف الغرب
و
فيما يتعلق بوصفه لحال بلده تونس، يتضح لنا فورا أن زياد كتب هذه الرواية قبل الثورة التونسية، وأن الوقت الذي تطلبه العثور على ناشر لها جعلها تصدر بعد هذه الثورة، وتبدو كما لو أن الزمن قد تجاوز بعض تفاصيلها. لكن البورتريه الذي يخطه الروائي في بدايتها للرئيس المخلوع زين العابدين بن علي ولنظامه البوليسي وسخريته من حالة الخدر التي كانت الشعوب العربية تعيش فيها حتى الأمس القريب لا يفقدان من قيمتها اليوم، بل يشكلان خير مرآة لحالة القرف واليأس التي كانت سائدة لدى الشباب العربي قبل نزوله إلى الشارع.

وفي عملية النقد المنهجية التي يقودها على طول الرواية، ينقض زياد خصوصا على صورة العالم الغربي "كبلاد الخيرات" عبر تصويره بواقعية كبيرة عالم باريس السفلي بشحاذيه، الذين يملؤون المدينة ونشاليه المحترفين الذين ينشطون داخل المترو، وبائعات الهوى المتمركزات في شوارعه الفقيرة والضيقة وأدراج الأبنية.

وفي هذا السياق، يتوقف مليا عند وضع المهاجرين العرب والأفارقة الذين يعدون في أوطانهم الأصلية طبقة اجتماعية راقية تنعم بالحداثة والتكنولوجيا والترف والحرية، بينما تتخبط غالبيتهم العظمى في أسفل السلم، مهاجرين تقلصت قيمتهم إلى مجرد يد عاملة لا وجه لها، تكدح على مدار العام، ومع ذلك ينظر إليها بارتياب دائم.

ولا يهمل الروائي الشاب بؤس الفرنسيين أنفسهم في وطنهم، بل يلقي نظرة مؤثرة على ذلك من خلال شخصية الممرض تيري، الذي فقد عمله وزوجته وبناته ومنزله بسبب خطأ ما اقترفه، وتحول إلى عاطل دائم عن العمل والحياة، أو شخصية رودي المشرد، الذي كان يقتات سعيدا من النفايات، قبل أن يقدم على تحطيم جمجمته على الجدار أثناء عارض جنون ويلقى حتفه.

ومن مصادر غنى هذه الرواية أيضا استعانة كاتبها بأسلوب حي ورشيق يعكس تمكنا كبيرا من اللغة الفرنسية، ولجوؤه إلى جمل صاعقة مسقَطة أحيانا على شكل أقوال مأثورة، وإلى استشهادات غزيرة تنير نصه وتعزز رؤيته، تعود لكتاب كبار عرب وأجانب، مثل جورج حنين وأبي القاسم الشابي وفيكتور هوغو وبول فاليري وألبير قصيري وغوته وغاندي.

المصدر : الجزيرة