هيكل أكد أن الرئيس مبارك لم يبدر منه ضيق حول تحفظ المؤسسة العسكرية على مسألة التوريث (الجزيرة)

يرى الكاتب محمد حسنين هيكل أن الكل ربما أخطأ على نحو ما في تصوير حسني مبارك وزمانه، عندما لجأ الجميع إلى الكاميرا تلتقط صورته وميضا من الضوء، بينما كان يجب أن يتم اللجوء إلى الفرشاة واللون رسما بالزيت باعتماد المدرسة التأثيرية، في زمن لم يعد فيه متسع لرقة أوغست رينوار أو خيال إدوارد مانيه.

ورغم العلاقات الواسعة للكاتب المصري في ساحة السياسة العربية وكتبه السياسية العديدة، فإنه يعترف في أحدث كتبه "مبارك وزمانه من المنصة إلى الميدان" بحيرته في فهم الرئيس المخلوع الذي أطاحت به انتفاضة شعبية العام الماضي بعد ثلاثة عقود في السلطة.

وفي الكتاب الصادر عن دار الشروق المصرية يقول هيكل (89 عاما) "كان ظاهرا لي أن الحيرة ليست حيرتي فقط،، ولكنها حيرة كثيرين، وربما حيرة التاريخ ذاته في شأن رجل يتصور بعض الناس أنهم يعرفونه جيدا ثم يتبين أنهم لا يعرفون شيئا".

مبارك لم ينس أثرا حيث ذهب ولم يترك بصمة حيث تصرف، ولم يوقع على ورقة إلا إذا كانت مرسوما بقانون سوف يعلن للناس، ولم يسمح بتسجيل محضر لأهم اجتماعاته، بل أجراها جميعا على انفراد

تهاوي الأسطورة
ويقول هيكل  أنه "إذا اخذنا الصورة الأكثر بهاء لمبارك والتي قدمت الرجل إلى الساحة المصرية والعربية بعد حرب أكتوبر باعتباره قائدا لما أطلق عليه الضربة الجوية، إذن فكيف تنازلت الأسطورة إلى تلك الصورة التي رأيناها في المشهد الأخير له على الساحة، بظهوره ممددا على سرير طبي وراء جدران قفص في محكمة جنايات مصرية مبالغا في إظهار ضعفه".

ويستشهد هيكل بجملة في مقال بصحيفة واشنطن بوست يوم السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 1981 غداة اغتيال الرئيس أنور السادات سلف مبارك، تقول "حتى هؤلاء الذين يقال عنهم (إنهم) يعرفون مبارك هم في الحقيقة لا يعرفون عنه شيئا".  

ويضيف أنه الآن وبعد ثلاثين سنة وقف أمام هذه الجملة وشيء ما في مكنونها يوحي بأنها مفتاح للمقال كله "لأننا بالفعل أمام رجل رأيناه كل يوم وساعة وسمعناه صباحا ومساء، واستعرضنا الملايين من صوره على امتداد ثلاثين سنة، لكننا لم نكن نعرفه ولا نزال".

ويقول الكاتب إنه حين بدأت إجراءات ترشيح مبارك لمدة رئاسية ثالثة أوائل التسعينيات، بدا له أن الرئيس السابق "لا يزال كما كان أول يوم: سؤالا بلا جواب".

ويضيف أن مبارك "سواء للأحسن أو للأسوأ، لم ينس أثرا حيث ذهب ولم يترك بصمة حيث تصرف، ولم يوقع على ورقة إلا إذا كانت مرسوما بقانون سوف يعلن للناس، ولم يسمح بتسجيل محضر لأهم اجتماعاته، بل اجراها جميعا على انفراد، وفي الغالب الأعم فإن تصرفاته الرئاسية كانت شفوية يصعب الحصول عليها وتجميعها ومضاهاتها ودراستها".

قضية التوريث
ويرى صاحب سلسلة حرب الثلاثين سنة أن قضية "التوريث" هي الدليل والإثبات الأظهر لمقولة أن الذين يعرفون كل شيء عن مبارك "هم في الواقع لا يعرفون شيئا عنه". ويقول عن جهود توريث السلطة لجمال نجل الرئيس السابق "كان إحساسي دون دليل يسنده أن الرجل في حسه الداخلي الدفين لا يريد ذلك لا بتفكيره ولا بشعوره، بل لعله ينفر من الحديث فيه لأنه يذكره بما يتمنى لو ينساه".

يدعو هيكل في كتابه لمحاكمة مبارك سياسيا قبل محاكمته بالتهم الجنائية الموجهة له أمام القضاء المصري حاليا

ويتابع هيكل "استخدم ما بدا له من معارضة المؤسسة العسكرية وكرره وضغط عليه لأنه وجد فيه ما يوافق شعورا غامضا في أعماقه ينفر من حديث التوريث".

ويضيف الكاتب المخضرم أن تحفظ المؤسسة العسكرية على التوريث ورد ضمنا أثناء الاستفتاء على التعديلات الدستورية، الذي جرى عام 2006 وأبدى المشير محمد حسين طنطاوي (وزير الدفاع وقتها) رأيا مؤداه "أنه وكل القادة يرجون الرئيس مراعاة قاعدة مستقرة في السياسة المصرية تنأى بالقوات المسلحة عن أي دور يفرض عليها احتكاكا بالداخل السياسي".

ويقول أيضا "لكن الغريب أن الرئيس مبارك لم يظهر منه ضيق بهذا التحذير، وكانت كثرة إشاراته له (دليلا) على أنه لاقى شيئا بالقبول عنده، وتلك قضية تحتاج إلى بحث نفسي يصل إلى العمق البعيد.. عما هو كامن ومكبوت".

ويدعو هيكل في كتابه لمحاكمة مبارك سياسيا قبل محاكمته بالتهم الجنائية الموجهة له أمام القضاء المصري حاليا، وعن محاكمة أي رئيس يقول هيكل "المنطق في محاكمة أي رئيس دولة أن تكون محاكمته عن التصرفات التي أخل فيها بالتزامه الوطني والسياسي والأخلاقي وأساء بها إلى شعبه، فتلك هي التهم التي أدت للثورة عليه".

ومن المقرر أن تصدر محكمة مصرية في الثاني من يونيو/ حزيران حكمها في الاتهامات الموجهة لمبارك بالفساد المالي وقتل متظاهرين.

المصدر : الجزيرة + رويترز