يحرص الفنان علاء بشير على اختيار الأفكار التي تظل راسخة في ذهن المتلقي لفنه (الجزيرة نت)

                                                                              أحمد الجنابي-الدوحة

 

موهبة صقلتها حضارة سبعة آلاف عام، وحس فني مرهف يجسد روح فنان جمع بين الإحساس العميق بالحياة والقدرة على تجسيدها في لوحات فنية بارعة الجمال، ذلك هو الرسام والجراح العراقي علاء بشير الذي افتتح معرضه الفني بعنوان "ذاكرة الكراسي" بالقرية الثقافية في كتارا بالعاصمة الدوحة.

تناول بشير في معرضه رمزية الكرسي وحضوره العميق في حياة الإنسان، فهو قد يمثل الرفيق ومنبع الإبداع ورمز السلطة والمكانة الاجتماعية، وتمتد هذه الرمزية إلى الموت ومصادرة الحرية والمعاناة.  

أقام الفنان علاء بشير معرضه الفني الأول في بغداد عام 1958(الجزيرة نت)
يقول الفنان علاء بشير عن اختياره لموضوع الكرسي إنه مرّ بمواقف جعلته ينتبه لوجود أشياء من حولنا نهملها ولا نفكر بها ولا تخطر في بالنا ونتعامل معها كمسلمات، رغم أهميتها التي لا تتجلى لنا إلا في حالات معينة.

ويتذكر بهذا الصدد بعض تلك المواقف، ويقول "أول مرة انتبهت فيها إلى العلاقة الوطيدة بين الكرسي والإنسان كانت عندما ذهبت ضمن وفد طبي عراقي لمداواة جرحى الحرب الأهلية بالصومال عام 1977، فقد واجهت الطائرة التي أقلتنا في طريق العودة إلى بغداد مشاكل فنية وكانت على وشك السقوط. وبينما كانت الطائرة تهتز في الأجواء كورقة تلعب بها الريح، لاحظت فجأة بأنني أتشبث بلا شعور بكرسيي حتى أصبحنا وحدة واحدة رغم معرفتي بأن الكرسي لن ينقذني من الموت إذا هوت الطائرة بمن فيها".

ويكمل بشير "التجربة الثانية كانت عندما دعيت إلى وليمة في منطقة أم قيس بالأردن وكانت حدود إسرائيل على مرمى عصى من مجلسنا وعلى مدى البصر كان هناك إسرائيليون يروحون ويجيئون، وكانت تلك المرة الأولى التي تقع فيها عيني على إسرائيليين. شعرت بالغيظ والغضب يتملكني ومرة أخرى وبدون شعوري لم أجد من أشاركه غضبي غير كرسيي الذي ضغطت بأصابعي عليه وفركتها به لأفرغ شحنة الغضب في داخلي. انتبهت حينها إلى وجود أشياء حولنا لا نأخذها على محمل الجد، ولكن في لحظات معينة يكون لها دور محوري في حياتنا". 


ويرى بعض العارفين بالفن أن أعمال بشير تتميز بتفردها في الأفكار التي تعبر عنها وهي تتمتع بعامل جذب يتمثل في عمق الفكرة وحسن الصنعة، واختيار الكرسي لمعرضه الأخير في الدوحة لا يخرج عن ذلك الإطار.

تقييم فكرة الكرسي
الجزيرة نت استطلعت آراء بعض أهل الفن الذين حضروا افتتاح المعرض حول اختيار موضوع الكرسي.  

البدري: يفاجأنا علاء بشير كل مرة باستخدام مختلف للكرسي وطائر الغداف (الجزيرة نت)
يقول الفنان العراقي سالم مذكور "أتابع أعمال الدكتور علاء بشير منذ ثمانينيات القرن الماضي، وحضرت معارضه التي أقامها في بغداد في تلك الفترة واستهوتني طريقة التفكير أكثر من طريقة التنفيذ والإنجاز. ما يميز الفنان علاء بشير تركيزه على اختيار الأفكار التي تظل راسخة في ذهن المتلقي لفنه، وهو ما ميزه في مسيرة الفن العراقي ويعتبر محطة مهمة في تاريخ الفن بالعراق".


ويكمل بالقول "فكرة الكرسي قلما يتناولها الفن العراقي بهذا العمق. أعتقد فكرة بشير مهمة فالكرسي هو شيء مهم يمثل عملية الاستقرار والسكينة، ومقدار التسلط والقوة والنفوذ والطمع والكرسي في بعض الأحيان يبين الدوافع داخل الانسان من قلق وحب، وله بعد فلسفي مهم".

ويرى مذكور أن ما يميز أعمال علاء بشير هو بعدها الإنساني الذي يتعدى حدود المكان والزمان، ليعبر عن مواضيع تصلح لكل زمان ومكان.

وفي ذات السياق يقول الفنان العراقي كريم البكري "احتل الكرسي والغداف (نوع من الطيور من فصيلة الغراب) حيزا مهما في تاريخ علاء بشير الفني الذي يمتد لأكثر من ستة عقود حيث أقام معرضه الأول في بغداد عام 1958، ويفاجأنا الدكتور علاء بشير في كل مرة، باستخدام مختلف للكرسي وطائر الغداف، وبأساليب قد تثير العديد من ردود الأفعال والتفسيرات وتحفز المتلقي على التأمل".


تالاك: هناك عناصر تجريدية في فن بشير ولكن من الصعب تصنيفه ونسبه لمدرسة فنية بعينها (الجزيرة نت)

البروفسور دوغلاس تالاك من جامعة ليستر ببريطانيا المتخصص بالفن والرسم، حضر المعرض مع مذكور والبدري ويرى أن "عمل علاء بشير يحتوي على مزج فريد بين الماضي القريب والحاضر ويحاكي كل الإنسانية بشكل جمعي، كما يحاكي دواخل كل إنسان بشكل منفرد".

ويضيف تالاك "أعجبتني فكرة قيام فنان بجمع أفكار متعددة في اتجاه واحد وتجميعها على شكل فكرة متكاملة، بحيث تعطي كل لوحة معاني متعددة وآفاقا واسعة لكلمة كرسي. الكرسي له رمزية ذات أفق واسع تمتد من الوطن والشعور بالطمأنينة إلى الانضباط والسجن والمكانة الاجتماعية والعلمية.. أعتقد أن استخدام الكرسي بطريقة تطرح مفهوما مختلفا وغريبا تجتذب اهتمام أي شخص سواء كان معرفة بالفن أم لا".

تجريدي أم سريالي؟

ورغم المكانة المرموقة التي يحتلها فن علاء بشير في العراق والعالم، فإن هناك جدلا حول تصنيف فنه والطريقة التي ينتهجها في رسم لوحاته، هل هي سريالية أم تجريدية أم غيرها من مدارس فن الرسم؟


ويقول البكري بهذا السياق "قد يكون من الصعب الاتفاق على تقييم معين للمدرسة التي ينتمي اليها فن الدكتور علاء بشير، فكل شخص يمكن أن يراها بمنظور مختلف، بالإضافة الى منظوره الشخصي الذي يراها بعين تختلف عن أعيننا كفنانين وجمهور. فهذا الفنان لديه أسلوب الفنتازيا، ويمكن القول إنه سريالي ولكن بأسلوب حديث مبتكر. إنه متأثر بفنانين قدامى مثل سفادور دالي ولكنه يرسم بسريالية خاصة به. يمكن القول بأنه مزج بين المدرستين التجريدية والسريالية."

تالاك: طريقة استخدام بشير للون طريقة فريدة للغاية (الجزيرة نت)

أما تالاك فيرى أن "لوحات علاء بشير ليست فنا تجريديا ولكن بالنظر إلى لوحاته في موضوع الكرسي، فإنك ترى الكرسي يتلوى ويتعرج ويدخل معه عناصر أخرى مثل طائر الغداف وغيره.. تناقشت مع الدكتور علاء ولم نكن متفقين حول هذا، ولكنني أعتقد أن هناك عناصر تجريدية في لوحاته خاصة في الخلفية، ولكني اعترف أنه من الصعب تصنيف فن علاء بشير فله أيضا لمسات وأبعاد سريالية".

ويضيف "يمكنني اعتبار فن علاء بشير بأنه يجمع بين مدارس لا يجمعها بينها الفنانون عادة. وبالنظر إلى معرض ذاكرة الكراسي يمكن أن نرى أن لوحات علاء بشير لا تنقل من يراها لعالم الفنتازيا والأحلام، بل تحيل الناظر إليها إلى مواقف حياتية حقيقية، وتدفعه إلى التفكير فيها وتأملها أو على الأقل إحيائها في ذاكرته كأن يكون السجن وما يحدث لمن في داخله من تعذيب وعذاب".  


كما يرى تالاك أن فن علاء بشير يخرج عن المألوف حتى في طريقة اختيار اللون، ويقول "طريقة استخدام علاء بشير للون، فريدة للغاية. لا أعلم بالضبط كيف استطاع بشير مزج هذه الألوان مع بعضها بشكل ناجح".

 

المصدر : الجزيرة