جانب من مؤتمر اللغة والهوية في الوطن العربي (الجزيرة)
سيد أحمد الخضر-الدوحة
 
رغم الصعوبة التي تكتنف استشراف مآلاته الثقافية، فإن الربيع العربي أعاد التأكيد على تلازم اللغة والهوية، والبحث عن سياسات جديدة لتفادي تفتيت الذات العربية على وقع فوضى اللغة والسياسات التربوية التي ترمي إلى تهجين الأجيال، جاء ذلك على لسان عدد من المشاركين في مؤتمر "الهوية واللغة في الوطن العربي" الذي يعقد بالدوحة.
 
ما تثيره علاقة اللغة والهوية من إشكالات وجودية في المقام الأول قبل أن تكون سياسية أو اقتصادية في الوطن العربي يتداولها على مدى ثلاثة أيام العديد من المشاركين في مؤتمر العلوم الإنسانية والاجتماعية المنعقد بالدوحة في الفترة بين 24 و26 مارس/آذار الجاري.

ويرمي المؤتمر -الذي ينظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، برعاية ولي العهد القطري الشيخ تميم بن حمد آل ثاني- إلى بلورة رؤية لغوية جديدة تكرس محورية اللغة في أمن الأمة وصيرورتها التاريخية.
المؤتمر يهدف إلى بلورة تصور حول سياسات لغوية تكرس تلازم اللغة والهوية (الجزيرة)

الانتماء الحضاري
المفكر والأكاديمي التونسي الدكتور عبد السلام المسدي يرى أن إعادة الاعتبار للغة تتجاوز سياسة التعريب إلى تغيير المشهد الثقافي وما أفضى إليه من انقلاب في المرجعيات واضطراب في سلم أولوياته، وتصدّر العامل اللغوي مقومات الانتماء الحضاري.

وفي كلمة حول "الهوية واللغة في الوطن العربي.. بيْن أزمة الفكر ومأزق السياسة"، حذر المسدي مما سماه "تفتيت اللغة القومية" لأنه خطوة حاسمة نحو تمزيق الذات وتحلل الهوية وحتى غياب السيادة وتفتيت الأرض.

وحسب المسدي، فإن الوعي العربي بأهمية المسألة اللغوية غائب، في حين يناقض سلوك الساسة خطاباتهم حول المعركة الحضارية المستشرية، التي تدور على واجهات متعددة، حسب تعبيره.

ورغم أن المسدي استبشر بالربيع العربي الذي "انبرى يطهر الواقع التاريخي من الأنظمة الاستبدادية"، فإنه يرى أن هذا الواقع الجديد ما زال يمور في فوران تاريخي ولا يمكن استشراف مآلاته الثقافية واللغوية حتى الآن.

وحسب المسدي ستبقى مشكلة اللغة وما تحمله من مضاعفات سلبية على الهوية قائمة إلى أن يستيقظ الملوك والرؤساء العرب ويدركوا أن الأمن اللغوي لا يقل أهمية عن الأمن القومي والغذائي.

إدريس المقبول: الفوضى اللغوية بما تنطوي عليه من تكريس اللهجات العامية والافتتان بلغة المستعمر في طريقها إلى الزوال
فوضى اللغة 
من جهته دعا وزير الثقافة القطري الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري  إلى الحذر في التعامل مع الآمال التي حملها الربيع العربي باتجاه تعزيز الهوية "لأن الإرادة السياسية هي الطرف الأول في هذه المواجهة".

ويرى في تصريح للجزيرة نت أن المخاوف من استلاب الهوية وانقراض اللغة تتسم بقدر من المبالغة، لأن العربية صمدت لقرون طويلة ولعبت أدوارا طلائعية في العديد من بقاع الأرض ولا تزال تملك الكثير من أسباب البقاء، حسب تعبيره.

أما الباحث في تحليل الخطاب اللغوي الدكتور إدريس المقبول فيقول في حديث للجزيرة نت إن التحولات التي تشهدها المنطقة ستؤكد تلازم الهوية واللغة لأنها -وفق تعبيره- أعادت سؤال: من تكون هذه الشعوب؟

ووفق ما يراه المقبول، فإن التطلعات والطموحات العربية لم تعد مغيبة عن الواجهة بحكم المد الثوري الذي يضرب المنطقة، مما يعني أن الفوضى اللغوية بما تنطوي عليه من تكريس اللهجات العامية والافتتان بلغة المستعمر في طريقها إلى الزوال.

وخلافا لهواجس لدى البعض من إمكانية "استيعاب" المد الثوري وحرف مساره الثقافي، يقول المقبول إن "الشعوب بعد أن استعادت إرادتها ستتكلم لسانها الذي ضيعته السياسات التربوية الهجينة".

من جانبه، يشدد الأكاديمي الأردني الدكتور عيسى عودة برهومة على تلازم الهوية واللغة لأن الأخيرة "مثوى الفكر وليست مفردات ومعانيَ فحسب". ويشير برهومة -الذي قدم ورقة للمؤتمر حول "اللغة والهوية.. جدل الثابت والمتحول"- إلى أن اللغة وثيقة الصلة بالثقافة وحاضنة للهوية، لذلك تعرّف بأنها "الكل المعقد الذي يتضمن المعرفة والإيمان والأخلاق والقانون والأزياء والعادات".

المصدر : الجزيرة