مشهد من المسرحية الفلسطينية أنتيغونا التي تعرض في باريس (الجزيرة)
 
بوعلام رمضاني-باريس
 
في إطار إنتاج مشترك مع المسرح الوطني الفلسطيني تحتضن خشبة مسرح "لي كارتييه" لضاحية إيفري الباريسية العرض المسرحي الفلسطيني "أنتيغونا". وتكمن الأهمية الاستثنائية والرمزية لهذه المسرحية في توظيف المخرج عادل حكيم نص سوفقليس اليوناني في توليفة فنية وفكرية مدهشة تجسد تراجيديا ظلم ناهضته أنتيغونا فلسطين القرن الحادي والعشرين، كما رفضته أنتيغونا بلاد الإغريق قبل 2500 سنة.

وتجلى الإسقاط البديع لنص سوفقليس على المأساة الفلسطينية في انطلاق عادل حكيم من مبدأ اعتبار أنتيغونا فلسطينية، مادام النص اليوناني يعد عصارة تصوير تراجيدي غير مسبوق لعلاقة الإنسان بالأرض وبالحب الفطري والأبدي الذي يكنه كل فرد لمسقط رأسه، على حد تعبيره في حديث للجزيرة نت.
 
مشهد من المسرحية (الجزيرة)
سيمفونية مسرحية
ويتفرع المبدأ الإنساني المذكور ليعانق مبادئ وحقائق أزلية أخرى تجسدها أنتيغونا الفلسطينية التي ناهضت طغيان كريون حاكم طيبة المستبد، الذي منع دفن الميت في تربة وطنه تماما، كما فعل حكام إسرائيل مع شهيدي النضال والرفض الفلسطينيين ياسر عرفات ومحمود درويش.

المقاربة التي مكنت عادل حكيم من تكريس تراجيديا سوفقليس فلسطينيا لم تكن قوية جدا وخارقة من حيث المبدأ فحسب، بل من خلال عمق وهجها ورمزيتها ونوعية أداء فريق فلسطيني متكامل صنع سيمفونية فنية كرمت الأحياء والموتى.

وإذا كان شاعر القضية الفلسطينية الراحل محمود درويش قد حضر بصوته الجهوري ملقيا الشعر الذي يؤكد روحه الإغريقية كما اعترف بذلك حسب قول عادل للجزيرة نت، فإن نص الترجمة العربية لعبد الرحمن بدوي الشفافة وترجمة إلياس صنبر لقصيدة "على هذه الأرض" وموسيقى الإخوة جبران وأداء ممثلين ماهرين ومدهشين، كلها حقائق ناطقة بروح فريق فهم وهضم وتقمص وجدد روح سوفقليس بقيادة مايسترو بقي فلسطينيا قلبا وقالبا وإن كان يعيش في ديار غربية.

ولأنه ليس هناك أقوى من التعبير روحيا عن قضية الأرض المسلوبة إلا باللغة الأم وفنيا وأدبيا بإيقاعات وشعر الذاكرة الجماعية والإحساس الجمعي، فقد أبدع درويش بشعره وبصوته والإخوة جبران بأوتارهم وحسام أبو عيش وعلاء أبو غربية وكمال الباشا ومحمود عواد وياسمين عمار وداود توتة بأدائهم المتفوق.

وإضافة إلى تألق حسام كريون وشادن سالي، تميزت سينوغرافيا وإضاءة إيف كوليه بتفاعلها وظيفيا مع جدار وقصر كريون الإسرائيلي، وكذلك لمسات ريمون حسني مساعد المخرج، ومصمم الديكور عبد السلام عبدو.

العمل ألبس المسرحية الغارقة في الكلاسيكية حلة معاصرة شكلا ومضمونا (الجزيرة)

كلنا سوفقليس
لكن النجاح الكبير الذي ميز العمل لا يخفي هبوطا في إيقاع المسرحية، التي يمكن ضغطها دون الإخلال برسالتها التاريخية الخالدة. ولعل الجمهور الذي وقف يصفق لأكثر من خمس دقائق داعيا الممثلين إلى العودة للخشبة ثلاث مرات، يمكن أن يغفر ذلك لمخرج بارع ألبس مسرحية غارقة في الكلاسيكية حلة معاصرة شكلا ومضمونا.

وحسب المخرج عادل حكيم فإن الشعب الفلسطيني "سوفقليسي" حتى النخاع، وتعد أنتيغونا التي تحدت سلطة كريون القمعية وضحت من أجل قناعتها ومبادئها وكرامتها رمزا لشبان فلسطينيين يرشقون دبابات العدو بالحجارة غير عابئين بالموت، فهي تقول "حينما تعيش مثلي حياة كلها مأساوية لا تعد الموت مصيرا شقيا".

أنتيغونا هي أيضا رمز حب الأحياء للأموات وبولينيس -الذي مات رافضا انفراد أخيه بالسلطة ورُمي للكلاب بأمر من عمه كريون الطاغية- رمز آخر لوحشية وجنون الحاكم المستبد حتى وإن تعلق الأمر بأقرب الناس إليه.

يذكر أن حكيم من مواليد عام 1953 بالقاهرة، واستقر بفرنسا وحصل على الدكتوراه في الفلسفة من السوربون. وبدأ مساره المسرحي وهو في الجامعة الفرنسية مستفيدا من تجربة أريان منوشكين وجون سترابرغ. مثل حكيم في مسرحيات لماريفو وتنيسي وليمس وراسين وساروت وكولتيس وشكسبير ولكتاب مسرحيين آخرين، وأخرج منذ عام 1987 وحتى غاية اليوم حوالي أربعين مسرحية في فرنسا وفي أميركا اللاتينية.

المصدر : الجزيرة