بوعلام رمضاني- باريس

إسماعيل قدري ترجمت أعماله الأدبية إلى أكثر من ثلاثين لغة (الجزيرة نت)
لم يمل الروائي الألباني العالمي إسماعيل قدري الانتظار في طابور المرشحين لنيل جائزة نوبل في الأدب شأنه في ذلك شان أدونيس وفيليب روت وميلان كانديرا وآخرين يتحولون في كل سنة إلى محل رهانات وتقديرات غير موفقة في أجندة الجائزة.
 
صاحب رائعة "جنرال الجيش الميت"، التي مهدت لسمعته العالمية عام 1963 ولترجمة أعماله اللاحقة، التي توزعت بين الشعر والقصة والمسرح والرواية وترجمت إلى أكثر من ثلاثين لغة بعد أن تجاوزت الخمسين، يعود هذه الأيام إلى واجهة الحدث الأدبي في فرنسا والعالم بعد صدور كتابه الجديد "الاستفزاز وأشياء أخرى" عن دار فايار للنشر.

جعل الروائي الألباني من محاربة الدكتاتورية الشمولية، واستقراء تاريخ وتراث البلقان وألبانيا بوجه خاص، والتنديد ببشاعة الجريمة السياسية المرعبة المحاور الثلاثة الأساسية لإبداعه الروائي. لم ينفرد بمضمون يزداد صدقية من يوم لآخر فحسب، بل أغنى الإبداع الروائي بقالب شاعري قائم على توليفة الأسلوب التراجيدي والكوميدي، والتوظيف المدهش للميثولوجيا الإغريقية وللدراما الشكسبيرية، وعرف عنه قوله عن صاحب ماكبث وهاملت وعطيل "لو عاش شكسبير زمن الشمولية الشيوعية لما جعل من ممالك أسكتلندا والدانمارك مصدرا لكتاباته عن الجريمة السياسية".

قدري هو نفسه الذي بين في رواية "العشاء الزائد" عام 2009 كيف ذهب الدكتور غوراميتو جاره الحقيقي ضحية حكم قمعي، يتجسس فيه الجميع على الجميع، ويعدم فيه كل أنواع المعارضين، ولأته بلقاني الانتماء وإنساني النزعة، فقد عاد في كتابه الجديد "الاستفزاز وأشياء أخرى" إلى الخلاف التاريخي بين الصرب والألبانيين، من خلال موقع حدودي ألباني فاقد لأبسط مقومات الحياة والمحاذي لموقع العدو الغارق في الملذات.

يعد قدري أشهر روائي ألباني بفضل مواقفه المناهضة للأنضمة الشمولية، ومقاربته الروائية الموظفة لشتى أساليب الإستعارة والمجاز والأساطير القديمة واليونانية بوجه خاص والفلكلور الخرافة اللصيقيتين بثقافة بلده

ضد القهر
ولد قدري عام 1936 بمدينة غجيروكاستير جنوب ألبانيا، واكتشف ميله للقراءة باكرا في بيت جدته، التي كانت قارئة نهمة للكتب الأدبية، وكتب قصيدته الأولى في سن الحادية عشرة، وديوانه الأول في سن السابعة عشرة تحت عنوان "استلهام شباني"، بعد أن انبهر بشكسبير وغوته ودون كيخوت ودانتي ورموز الأدب اليوناني، وكتاب أجواء الملحمة والغرابة والشعوذة والسحر والأشباح.

درس قدري الأدب في جامعة تيرانا وفي معهد غوركي بموسكو قبل عام 1960، تاريخ قطيعته مع الاتحاد السوفياتي وعودته إلى بلده للعمل صحفيا، وانشق باكرا عن الأدب الاشتراكي، وأضحى متيما بالأدب الغربي أو المنحط كما كانت تسميه دعاية خروتشوف، على حد قوله، وبقي عضوا في الحزب الشيوعي الألباني، لكن مطاردا باعتباره كاتبا مناهضا للنظام الذي اضطر بسببه إلى نشر أعماله في الخارج طيلة السبعينيات والثمانينيات قبل لجوئه إلى المنفى الباريسي عام 1990.

يعد قدري أكبر وأشهر روائي ألباني أوروبيا وعالميا ليس بفضل مواقفه الفكرية المناهضة لأنظمة الرعب والقهر الشمولية وتجسيده للذاكرة البلقانية والصراع البغيض والمتبادل بين الصرب والألبان فحسب، لكن بنوعية مقاربته الروائية الموظفة لشتى أساليب الاستعارة والمجاز والأساطير القديمة واليونانية بوجه خاص والفلكلور والخرافة اللصيقتين بثقافة بلده.

وألبس قدري أعماله القصصية والروائية حلة زينها مقاربة تراجيدية كوميدية يكشف من خلالها عن وحشية الحكام التعسفيين، الذين يعيشون من أجل السلطة الشمولية خاصة بعد أن رزحت ألبانيا طويلا تحت هيمنة النظام الشمولي لأنور خوجا.

اعترف العالم الأدبي بعطاءات قدري بمنحه عام 2009 جائزة أمير أستورياس الإسبانية المرموقة وتعيينه عضوا أبديا في أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية منذ عام 1996 خلفا للفيلسوف الشهير كارل بوبر

صانع مجد فايار
قبل أن ينتقل اسمه إلى السينما من خلال رواية "جنرال الجيش الميت" التي اقتبسها لتشيانو توفولي عام 1983 ومثل أدوراها الرئيسة النجمان ميشال بيكولي ومارتشيلو ماستوياني والممثلة أنوك إيميه، راح قدري يكرس  شهرته بروايات أخرى صنعت مجدا جديدا لدار النشر فايار.

ومن أبرز أعمال قدري التي نشرتها فايار، نذكر "الشتاء الكبير 1973 ـ القطيعة مع الاتحاد السوفياتي ـ و"حفل نهاية الفصل" 1988 التي تعرضت للرقابة مدة سبعة أعوام بسبب تناولها العلاقات الصينية الألبانية، و"الوحش" 1990 التي عرفت نفس المصير. وروايات أخرى عززت السمعة العالمية  لقدري الذي وصفته مخابرات تيرانا الشيوعية بـ"الخائن" مثل "طبول المطر" 1970 و"قصر الأحلام" 1981 و"الظل" 1994 و"هملت الأمير المستحيل" 2007.

اعترف العالم الأدبي بعطاءات قدري بمنحه عام 2009 جائزة أمير أستورياس الإسبانية المرموقة وتعيينه عضوا أبديا في أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية منذ عام 1996 خلفا للفيلسوف الشهير كارل بوبر وحصوله على الجائزة العالمية تشينو دل دوكا عام 1992 وجائزة مان بوكر عام 2005.

نشرت عن قدري ستة مؤلفات أبرزها "إسماعيل قدري بروميثيوس حامل النار" الذي أصدره عام 1991 جوزيه كورتيه من منظور تمجيد المبدع الذي شرب من منبع الميتولوجيا الإغريقية حتى الثمالة.

المصدر : الجزيرة