جانب من ملتقى المثقف الليبي والمرحلة الانتقالية الذي عقد سابقا في بنغازي  (الجزيرة نت)
خالد المهير-بنغازي
 
في زمن علا فيه صوت الرصاص في ليبيا، توارى المثقف الليبي عن الواجهة، وغاب صوته عن قضايا الوطن الملحة، خاصة خلال هذه المرحلة التأسيسية والانتقالية الصعبة في مسيرة البلاد، وكأن المثقف الليبي لم يكن ذلك الذي ناضل من أجل هذه اللحظة، وقضى جزءا من حياته وراء قضبان زنازين القذافي في سبيل الحرية.
 
ويرى عدد من المثقفين الليبيين أن البلاد "أحوج ما تكون في الفترة الحالية لدور المثقف التنويري في مواجهة هيمنة المليشيات ودعاوى التقسيم، وإعادة إنتاج الدكتاتورية والأفكار المتطرفة، التي يسندها سلاح باليد"، لكن غموض الوضع الحالي والتجاذبات المختلفة أضرت بدور المثقفين.
 
ويفسر الشاعر والكاتب محمد المغبوب هذا الغياب بأن المثقف في ليبيا حاليا لا يدري من الذي سيرضى عنه أو من سيعاديه. فتراه يتقرب من تيار سياسي أو جهة أو قبيلة، ويهادن آخرين، حرصا على حياته من رصاصة تنهيها على أيدي ما سماه "اللجان الثورية الجديدة".
 
لحظة ارتباك وحذر
وذكر المغبوب "نحن في ربكة، ومن الصعب سماع صوت المثقف الوطني وسط لعلعة رصاص الجماعات المسلحة، وبين أيدٍ تحمل المعاول للتحطيم، وتنبش في القبور في غياب القانون"، مشيرا إلى أن على المثقف الليبي في الوقت الحالي أن يمتلك مهارات تمكنه من كتابة ألف سطر دون أن يقول شيئا يؤخذ عليه.
عبد الوهاب قرينقو: صوت الرصاص ليس أعلى في ليبيا بل صوت المثقف هو الأكثر خجلاً  (الجزيرة نت)

وفي ذات السياق، أرجع الشاعر حالة المثقفين وغياب دورهم إلى "نفاق ما بعد الثورة"، موضحا -في تصريح للجزيرة نت- مدى تنكر المثقفين لأفكار الحرية والتنوير التي كانوا يدعون إليها، وتقهقر آخرين لاتصالهم  بمؤسسات السلطة الجديدة، التي زادت ضعفا للأسف بعد الثورة.

ويرى أن بعض هؤلاء المثقفين تحولوا إلى تروس قوية في آلة السلطة الجديدة وأذرعها الانتقالية، وإلى أبواق  من أجل تحصيل المصلحة، وتهميش الأصوات الحرة والفاعلة، خاصة تجاه المشاريع الجديدة والمبادرات الوطنية الشابة.

وبلغة الشاعر، يصف هذا النوع بقوله "لقد تاه العصفور الملون بين أعشاش البوم فاختار التعشيش في النوم"، لكنه يثق في قول المسرحي الإيطالي الشهير داريو فو إن "الأشياء الكبيرة لا تتحقق إلا من خلال اليأس".

ورغم حديثه عن دورهم في المرحلة الحالية، وأسباب عزلتهم عن المجتمع، وانقطاع علاقة المثقف برجل الشارع، يرى الشاعر عبد الوهاب قرينقو أنه على المثقف أن يكشط الطبقة العازلة التي تفصله عن الناس، وينزل إلى الشارع والمنتديات وقاعات السينما والمسرح.

وإذا لم يحصل ذلك -حسب قرينقو- فستظل مساهمات المثقف خجولة في زمن يكاد يطغى عليه صوت البارود وصراخ (المليشيات) الطامعة في مغانم ومنافع كثمنٍ لدورها في تحرير الوطن، ناهيك عن "طيور الظلام، من متطرفين دينيين ومن أزلام النظام السابق المنهار!"، مشيرا إلى أن "صوت الرصاص ليس أقوى، ولكن صوت المثقف أكثر خجلاً".

وتساءل قرينقو، هل علينا أن نتخلص من استبداد الفرد ونظامه الظالم لنقع في شِراك منظومة استبدادية تفرخ بشكل متواصل؟ وأكد أن "طغيان الفرد وتأصله في المجتمع الليبي أدى إلى تفريخ بؤر أخرى تصدر الظلم وتنشر العتمة من القبلية والجهوية والتطرف الديني"، وقال إنه "بداخل كل ليبي طاغية صغير".

إسماعيل البوعيشي: من ارتبطوا بالنظام السابق دسوا رؤوسهم في الرمال (الجزيرة نت)

نرجسية وعزلة
وتحدث الناشر والكاتب إسماعيل البوعيشي عن مسيرة المثقفين في مواجهة الاستبداد، ودافع عن مواقفهم الصدامية في عهد القذافي، ويشير -في حديثه مع الجزيرة نت- إلى عدة مواجهات علنية مع القبضة الأمنية، وقال إن عددا منهم رفضوا الجوائز والمغريات.

ولا يعتقد البوعيشي أن الإشكالية هي غياب دور المثقف بسبب علاقة بعض المثقفين بالنظام المنهار، مؤكدا أن "من ارتبطوا به دسوا رؤوسهم في الرمال".

وفي رأيه أن هذا النوع من المثقفين "لا علاقة لهم بالثقافة". ودافع بشكل مستميت عن دورهم في المرحلة الانتقالية الصعبة، لكنه قال إن بعض القنوات تحاول تغييبهم.

ويلوم القاص عوض الشاعري بعض المثقفين على غيابهم، وهم من كانوا وراء إشعال فتيل الثورة، مرجحا إصابتهم بالنرجسية أو أنهم لم يحصلوا على التقدير الكافي، أو ربما أصابتهم صدمة بأن الشعب هو القائد الفعلي للثورة.

وأشاد الشاعري بدور المثقف في العهد الماضي، وقال إن المثقفين أنصار للحرية والإنسان، داعيا شريحة المثقفين إلى الخروج من عزلتها، والوقوف في وجه أي محاولة لإعادة إنتاج الدكتاتورية أو القبلية "المقيتة"، ومساندة أي توجه لإخراج البلاد من هذا النفق.

المصدر : الجزيرة