يسري الجندي: أنا متفائل بمستقبل الثقافة والفنون على المدى الطويل (الجزيرة نت) 

حاوره/ بدرمحمد بدر

يعد الكاتب يسري الجندي أحد أهم مؤلفي الدراما التلفزيونية والمسرح في مصر والوطن العربي، وقد استطاع من خلال العديد من أعماله في المسرح والتلفزيون والسينما، أن يرصد قضايا المجتمع المصري وهمومه. ويعكف الجندي حاليا على كتابة نص مسلسل جديد بعنوان "خيبر"، الذي ينتظر أن يثير ضجة كبيرة.

الجزيرة التقت الجندي وسألته عن وضع الدراما المصرية قبل الثورة وبعدها والمخاوف التي يطرحها البعض من صعود التيارات الإسلامية على حرية الإبداع الفني ومستقبل الفن في مصر فكان الحوار التالي:

كيف ترى الوضع العام في مصر الآن بعد عام على الثورة؟

ـ أعتقد أن الثورة المصرية شكلت مرحلة فاصلة وفريدة في تاريخنا المصري والعربي، وتميزت بخصوصية واضحة في تاريخ الثورات الإنسانية، ولكني ما زالت أرى أن عوامل مؤثرة أدت لاضطراب مسار الثورة، على رأسها عملية التطهير وعملية وضع الدستور الجديد، فالتطهير كان يجب أن يكون كاملا، شأنه في ذلك شأن كل ثورة، كان لا بد من تطهير بمنطق ثوري فيما يتعلق بالمحاكمات.

فعدم التطهير الكامل أدى لاستمرار تواجد وتأثير النظام القديم بالمشهد، مما جعلنا ندفع ثمن ذلك، من معوقات ومعاناة وتعثر وتعطيل بلا حصر، وأدى ذلك أيضا لإطالة المرحلة الانتقالية أكثر مما يجب، وعدم تبني الدستور أولا أدخل البلاد في حالة اضطراب، فلا يمكن تأسيس مسار جديد لأمة قامت بمثل هذه الثورة المصرية إلا بإلغاء الدستور القديم تماما، وبناء دستور جديد يتأسس عليه مسار الدولة الجديد، ولكن تظل هذه الانتخابات بحد ذاتها خطوة إيجابية.

وهذا لا يعني أن الثورة فشلت، ولكن هذا النهج جعل فترة حصادها وثمارها تمتد وتستغرق فترة أطول، وجعل الثورة بحاجة إلى ثمن أكبر سندفعه، ولكنها لن تنتكس ولن تفشل.

تزايدت في الآونة الأخيرة مخاوف مثقفين وفنانين من الصعود السياسي للإسلاميين، فهل أنت مع هذه المخاوف؟

لن يستطيع السلفيون منع السينما والدراما، وفي اعتقادي أن الإخوان المسلمين بفكرهم وحكمتهم، سوف يكونون عقبة أمام هذا النهج
ـ لست قلقا من صعود الإخوان المسلمين، فهم رجال سياسة وليسوا دعاة فقط، ومنذ تأسيس حركتهم في عام 1928 وهم يدركون معنى السياسة، وبحكم فكرهم الوسطي لن يسعوا إلى الصدام، لا مع الثقافة ولا الفن ولا المثقفين، ولديهم حركة سياسية بمنهج براغماتي مرن، قادر على التكيف مع الظروف المحلية والدولية التي يدركونها جيدا، وهم يتحاشون الصدام، بعكس بعض أبناء التيار السلفي، الذين لديهم توجه دعوي فقط، وبعضهم منغلق والتحاور معهم صعب، لكن الحوار مع الإخوان ممكن وطبيعي.

وأعتقد أن الإخوان لن يصادروا الإبداع والثقافة، وإن تأثرت الثقافة فسيكون ذلك نسبيا وليس جذريا، لأن الشخصية المصرية أثبتت على مدى عقود أنها شخصية وسطية، ولم يغيرها أحد أو قوة، فجوهر الشعب المصري وسطي، وأي نزوع بعيدا عن ذلك إن أفلح لا يستمر طويلا.

وماذا عن التخوف العام من التيار السلفي، خاصة في مجال السينما والدراما التلفزيونية؟

ـ لن يستطيع السلفيون منع السينما والدراما، وفي اعتقادي أن الإخوان المسلمين بفكرهم وحكمتهم، سوف يكونون عقبة أمام هذا النهج إذا طالب به البعض، ولن يصادر أحد العقل والإبداع المصري، والمخاوف القائمة بعضها طبيعي بالنسبة لبعض الفنانين وأخرى مبالغ فيها.

وقد قام الفنانون بمسيرة اتجهت للبرلمان في أولى جلساته يوم 23 يناير/كانون الثاني الماضي، للمطالبة بضمان حرية الإبداع الفكري والفني في الدستور الجديد، وأؤكد مرة أخرى لن يقدر تيار ما على سلب حريتنا أو التأثير على إبداعنا.

هل تأثرت الدراما التلفزيونية بـ"ثورة التحرير" في 25 يناير/كانون الثاني؟

ـ الدراما تتأثر بكل الظروف والمتغيرات المحيطة، كما تتأثر بالنسق السياسي والاقتصادي والثقافي، وسوف تشهد جميعها متغيرات بالطبع، فالوطن والفنون والآداب تعيش في مخاض صعب.

وأنا لا أتوقع حدوث تشدد فكري، ولست قلقا على مستقبل الإبداع الدرامي والفني، ولكن سوف يولد فكر جديد، وسيحدث ما يزيل كل الرواسب الخاطئة، التي هيمنت على العقل المصري وعلى الفن، من تفاهة وتسطيح متعمد، وكل ما أراده النظام القديم سوف يتراجع، ولكن العملية تستغرق وقتا.

كيف ترى مستقبل الفنون والآداب بعد عام من الثورة؟


لست قلقا على مستقبل الإبداع الدرامي، ولكن سوف يولد فكر جديد، وسيحدث ما يزيل كل الرواسب الخاطئة، التي هيمنت على العقل المصري وعلى الفن
ـ أنا متفائل بمستقبل الفنون والآداب، ولكن على المدى الطويل، سوف يستعيد المثقفون والمبدعون مكانتهم ودورهم، وسوف يحدث تحول، قد يدير ظهره لأطراف سقطت، فهناك شرائح من المبدعين والمثقفين قام النظام السابق، إما بتهميشها فضعف دورها، أو أنهم وقعوا في أحابيل النظام بنسبة كبيرة، ومع ذلك كله سوف يولد من جديد جيل مختلف،

وهناك مؤشرات عديدة مبشرة تؤكد ذلك، وسنرى هذا الجيل في كل المجالات، ولكنها لم تتضح بعد، وهذا أمر طبيعي، وهذا الجيل سيظهر عندما تتبلور مقومات ثقافة جديدة.

في تقديرك ماذا نحتاج لكي نؤسس لثقافة جديدة تواكب الثورة؟

ـ نحتاج أولا لتأسيس نسق سياسي جديد، وبناء ديمقراطية حقيقية تنبني عليها مظاهر الحياة الجديدة بمصر، وحينها سوف يولد فن جديد، وفنانون جدد، ومثقفون لهم دور حقيقي في صنع حاضر الوطن ومستقبله.

ثار جدل كبير حول زيارة الفنان أشرف عبد الغفور نقيب الممثلين للمرشد العام للإخوان المسلمين، ما تعليقك على هذا الجدل؟

ـ أعتقد أن هذه الضجة، التي قامت حول زيارة النقيب لمرشد الإخوان، لا داعي لها، لأنها أولا جاءت ردا على زيارة سابقة له، وثانيا لأن فكرة الحوار صحية ومطلوبة وضرورية خصوصا في هذه المرحلة الصعبة التي يمر بها الوطن، وعلينا أن نتحاور ونناقش قضايانا ومخاوفنا بوضوح، كما أن الإخوان المسلمين كتيار إسلامي غير صداميين، وفتحوا حوارا جيدا مع الجميع.

ولكن عقب الزيارة وجه الفنانون نقدا لاذعا لنقيبهم، وأبدوا قلقهم على مستقبل الفنون؟



فكرة الحوار صحية ومطلوبة وضرورية خصوصا في هذه المرحلة الصعبة التي يمر بها الوطن
ـ هذه مبالغة شديدة، ولا يوجد شخص أو مؤسسة تستطيع النيل من الفنانين والفنون، لأنهم في حماية الشخصية المصرية الوسطية بطبيعتها، وهذه الشخصية هي الضمانة الحقيقية ضد أي محاولة انحراف أو تطرف عن المسار الوسطي الممتد في عمق حضارتها وثقافتها، وأعتقد أن الصراع المقبل فكري بالأساس، وإعداد الدستور سوف يتم في إطار حوار إيجابي مستمر، حتى نصل إلى شاطئ الديمقراطية بأمان.

وماذا عن أحدث أعمالكم الدرامية؟


ـ ما زلت منشغلا بكتابة نص مسلسل "خيبر"، وقصته تتعامل مع قضية الكيان الصهيوني بعيدا عن اليهودية كديانة، وأتحدث عن كيان ظل محتفظا بملامحه حتى الآن، خاصة ما يتعلق بتعاملهم مع الآخر.

وأريد به تسليط الضوء على مجتمع المدينة المنورة، وصراعهم مع الدولة الإسلامية الوليدة، حيث مد المسلمون إليهم أيديهم بالسلام والتعاون، في حين قابلهم اليهود بالغدر والتآمر كطابور خامس، وكان لا بد من صدام معهم بالقوة حتى تم إجلاؤهم من الجزيرة العربية، وهذا دليل على أنهم منذ نشأتهم، حتى مع سيدنا موسى عليه السلام وإلى الآن، يتسمون بالعنصرية والالتواء والغدر.

المصدر : الجزيرة