غلاف رواية "مجانين بوكا" للروائي العراقي شاكر نوري (الجزيرة)
وارد بدر السالم
 
يتخذ سجن بوكا الأميركي السيئ الصيت عنوانا لرواية العراقي شاكر نوري الصادرة مؤخرا، ويبدو العنوان بحجمه الكبير مكانا وزمانا معروفين للعراقيين في حقبة مريرة لا تزال ماثلة في تداعياتها النفسية وضغطها المهول بعد فضائح سجن أبو غريب الشهيرة.

في المكان أو السجن أو الرواية، يمارس "مجانين بوكا" فعل الجريمة المنظمة بحق سجناء مختلفي المشارب والأهواء والانتماءات والطوائف، يشكلون نسيجا محكما لجغرافية وطنية واحدة. ولا يبدو الطارئ في حياة هؤلاء ما نسميه بـ"الاحتلال الأميركي" فهو واقع تم التعامل معه على وفق طرق شعبية ورسمية لا تتشابه في العادة، لكن الطارئ هو المفارقة الغريبة أن يكون "المحرر" هو السجان، وأن يكون المواطن هو المتهم بعد خروجه من عنق زجاجة ليدخل في زجاجة أخرى أكثر ألما وإيلاما.

امتثلت "مجانين بوكا" إلى صدقية واقعية في كل ما جاءت به من تراكمات حدثية، ليس أولها شهادة الصحفي محمد شاهين ولا آخرها شهادة الروائي محسن الخفاجي، وكلاهما كان معتقلا لسنوات طويلة في سجن بوكا من دون تهم حقيقية سوى الشبهات وسوء الظن والتأويل.

ولعل حكاية الروائي محسن الخفاجي وحدها يمكن أن تكون شهادة قاسية بحق الاحتلال حينما أُتهم بالقيام بدور مترجم للأسيرة الأميركية جيسيكا التي وقعت بيد القوات العراقية في حرب 2003 تضاف لها "قصة" تحريرها الهوليودية التي أخرجت ببراعة سينمائية عالية الدقة والاتقان.

غير أن الروائي آثر أن تكون هذه الحكاية المفبركة ضمن النسيج الروائي العام بوصفها جملة قصيرة في جملة المعتقل الطويلة التي غرقت بتفاصيل واقعية مريرة عن شهادات كابوسية، تغلب عليها لغة التعذيب التي أجادها "مجانين بوكا" في سعيهم لانتزاع الاعترافات من سجنائهم.

حاول شاكر نوري أن يضع وثائقه الرسمية والشعبية والإعلامية في تصورات مختلفة عن قصص تعذيب السجناء في أروقة بوكا كمحصلة تسري ضمن تفاصيل صغيرة وكبيرة لتوفير أكبر حشد من الصور الفيلمية لطرائق التعذيب الأميركية في هذا المعتقل المجهول

الواقعية والرمزية
سيبدو معتقل بوكا في الرواية كأنه محبس لمجرمين عتاة، وسيذكرنا بسجن أبو غريب وفظائعه وسجن غوانتانامو والتباساته الكثيرة، غير أن بوكا يُصوّر هذه المرة من الداخل عبر شهادات وشهود ووثائق. وتسلط الرواية عدساتها المختلفة في زوايا كثيرة من هذا المعتقل لتكشف تنامي الجماعات الإسلامية من القاعدة ومشتقاتها السلفية، التي وجدت في هذه الحاضنة أفضل مكان لنشاطاتها بعيدا عن الرصد الحكومي المباشر.

فالأميركان الذين يجهلون تاريخ المكان وجغرافيته، حشّدوا عناصر هذا النوع من الجماعات المسلحة التي ترفع السلاح بوجوههم لممارسة تأثيراتهم المباشرة على السجناء المختلطين من مذاهب وطوائف وأديان مختلفة، ومن ثم يصبح السجن كمكان واقعي فعلا رمزيا له دلالاته المباشرة في التأثير على الواقع العراقي برمته وإلى اليوم.

اتجهت الرواية فنيّا إلى الشعارية والأحكام المسبقة والمباشرة في احتواء المكان وعناصره من الأميركيين والسجناء بطريقة لا تخلو من القصدية، وهو ما أضعف البناء الروائي كثيرا، فبدت الفصول مجتمعة بنسيج واحد وثوب واحد، استهدف (الوجود الأميركي) بواقعيته المفرطة، ومن ثم حاولت امتصاص هذه الواقعية بالارتداد نحو الشخصيات الأخرى التي كان وجودها معبأ سلفا لتغيير خريطة المعتقل.

وكان على الروائي أن يلتفت إليها ولا ينجرف وراءها ليضعف بنيته الروائية. فالكتابة في الأجواء الواقعية الصرفة تستدعي خيالا خصبا لتمرير اللعبة الفنية، حتى لو كانت وقائعها نافذة في أرضية الواقع ومؤسِّسة لبعض خصائصه الاجتماعية، بل وحتى العسكرية منها في ظروف الاحتلال المعروفة.

يبدو معتقل بوكا في الرواية كأنه محبس لمجرمين عتاة وسيذكرنا بسجن أبو غريب وفظائعه وسجن غوانتانامو والتباساته الكثيرة، غير أن بوكا يُصوّر هذه المرة من الداخل عبر شهادات وشهود ووثائق

شخصية الرواية
ليست هناك شخصية مركزية بمفهوم السرد الروائي يمكن متابعة ملامحها وصيرورتها في مساقات البناء الفني للرواية. ولعلها انتباهة من نوري أن يضع معتقل بوكا في واجهة الرواية، ليكون هو المحور والمرتكز في عملية البناء الفني، وهو الذي تلتف عليه أبنية السرد كلها، كمكان ذي قيمة روائية اتسع ليكشف الأهوال الداخلية في تركيبته الطائفية والعشائرية والقاعدية، وهي تتبلور شيئا فشيئا أمام "عدو" يجهل الكثير من المعطيات النفسية والعاطفية والاجتماعية لآلاف المعتقلين فيه.

حاول شاكر نوري أن يضع وثائقه الرسمية والشعبية والإعلامية في تصورات مختلفة عن قصص تعذيب السجناء في أروقة بوكا كمحصلة تسري ضمن تفاصيل صغيرة وكبيرة لتوفير أكبر حشد من الصور الفيلمية لطرائق التعذيب الأميركية في هذا المعتقل المجهول، لكن كل ما أورده شاكر نوري في تضاعيف بوكا لا يعدو كونه معروفا ومقروءا، إلا من لمحات جانبية بسيطة لا تمثل العنف الجسدي والروحي كثيرا لسجناء ضعفاء وآخرين اندمجوا في اللعبة الأميركية لحسابات مستقبلية.

وهؤلاء هم من المغالين في تطرفهم الديني، الذي استهوى المؤلف كثيرا وتتبع شخصياتهم بحذر من دون أن يشوّش على الجو العام، الذي أراده أن يكون محتدما منذ البداية عبر لوائح متتالية، ليس أقلها التهيئة لـ"عدو" محتل وليس آخره عن بلاد محتلة.

وما بين هذه الشعارات المستهلكة، تمرد السرد بين يدي نوري واتجه إلى مضان واقعية صرفة، تقاسمتها الشعارات والولاءات المتعددة وقصص التعذيب الشائعة غير المُحكمة، فاختلط مفهوم المجرم بمفهوم الأسير واتحد الاثنان بعنوان واحد ليست تسميته مهمة على كل حال.

لم تندمج شهادتا الصحفي محمد الشاهين والروائي محسن الخفاجي، كشاهدين حقيقيين، في السرد البوكوي، بل ظلتا منفصلتين في سياق السرد، ويمكن للفاحص أن يعرف الشخصيتين كلا على انفراد، متخطيا بذلك مقولة أوكتافيو باث التي صدر بها نوري روايته "أن تكتب رواية هو أن تُنشئ حقيقة مستقلة مكتفية بذاتها".

لكن هذه الحقيقة بدت في الكثير من مفاصلها حقيقة تجميعية أكثر من كونها مخصّبة بخيال روائي قادر على تحويل الواقع إلى ذروة خيالية تحتمل الكثير من المتانة الروائية والقدرة على البقاء في غابة السرد الواسعة.
_______________
كاتب عراقي

المصدر : الجزيرة