هاني مظهر: خروج الفنانين من العراق كان رد فعل على التطفل السياسي على الفن (الجزيرة)
وارد بدر السالم

"الوطن والمنفى والذات" ثلاثية متصلة حملها الفنان هاني مظهر بين أصابعه وفرشاته منذ سبعينيات القرن الماضي، قبل أن يحملها في قلبه مثلثا لانتظارات طويلة في البحث عن الهوية والصوت والفرادة الفنية في عالم شديد الاتساع والاكتظاظ بالتجارب كلها.
  
شأنه شأن الذين غادروا الوطن مبكرا، استقى مظهر مكونات تجربته أول الأمر مما هو متراكم من الذات الوطنية والاجتماعية، غير أن أحكام الغربة والمنفى شتتت تلك الذات على نحو ما، ورسخت قناعة اللاعودة، وهي فكرة مريرة أن يتخلى المرء نسبيا عن الماضي ويحرث في أرض ثانية، ليبتكر وطنا أو ذاتا أو حاضنة أو فرحا كاذبا.
 
ويعترف مظهر بذلك بقوله "أن تكون إنسانا فهذه هي هويتك، الفنان يحتاج إلى مفردات بصرية ومادة بصرية ليستند عليها، وفي فترة الغياب الطويلة بدأت سطوة الصورة العراقية تخف وبدأت الصورة الأخرى تحل محلها"!

ابن الحضارات
الإبداع ليس ملصقا سياحيا لهذه الحضارة أو تلك، لذلك أتفاعل مع كل حضارة وأستلهم منها أي معنى إنساني
ومن هذا التشخيص اللاذع، علينا أن ننتبه إلى فجيعة الفنان المهاجر قسرا فـ" الخروج كان رد فعل حين شعرنا أن التطفل السياسي بدأ يأخذ مساحته في الفن العراقي، وكان إشارات للخراب القادم، وما كانت هناك مصلحة تمنعنا من أن نرى الحقيقة، وكنا نعترض أن تتسيس حياتنا الفنية، وتتحول إلى شعار سياسي بحلول عبارات مثل "الهوية الوطنية" و"التراث والمعاصرة" وغيرها".

المرحلة السبعينية في الفن التشكيلي العراقي كانت بلورة جهود المرحلة الريادية في الخمسينيات والستينيات، لكن المرحلة السبعينية هي المرحلة الذهبية في الحياة التشكيلية المحلية، فهي مرحلة مزدهرة بتأثيرات الرواد.

وهذه الشهادة ليست للفنان مظهر وحسب، بل هي شهادة فنية جمعية بحق التشكيل العراقي الناهض في تلك الفترة، لكن أصابع السياسة التي كانت تمتد جهارا، أوجدت الفجوة الأولى بين ذلك الواقع المتجذر، وواقع مزيف رسم ليكون في خدمة مرحلة عرفنا نهايتها الآن، ولكن هل على الفنان المهاجر أن يترك كل شيء ويمضي إلى الخلاص الفردي؟

يرى مظهر أننا جزء من العالم، "وهذا ما يجعلني أكثر انفتاحا مع هذا العالم الواسع، وأنا لا ألغي الهوية الوطنية، فهي إرثي ولكن السؤال هو: كم يحضر من هذا الإرث وكم يغيب؟ والإبداع ليس ملصقا سياحيا لهذه الحضارة أو تلك، لذلك أتفاعل مع كل حضارة، وأستلهم منها أي معنى إنساني، ولا ألزم نفسي قسرا بأي شكل، أنا ابن كل الحضارات".

إحدى لوحات الفنان العراقي هاني مظهر (الجزيرة)

الذات المرشحة للغياب
يقول مظهر "لجأت إلى التأريخ، فاستلهمت ملحمة الخلود من غلغامش، في محاولة للإمساك بوهج الوطن، وكان غلغامش بالنسبة لي حجة بصرية ولو أنه نص مكتوب".

المحاولة هنا البحث عن خلاص في متون الحضارة العراقية القديمة إضافة إلى غناها وجمالها، وهروب إلى المتخيل، على أنه أقدم لاحقا على رسم الحلاج في معرض واحد عندما غابت الصورة المباشرة منه كما يقول، ساءل مظهر نفسه لماذا يرسم الحلاج؟ ففشل في الإجابة، وبرر لنفسه أن الحلاج لا يُفهم.

يقول مظهر "في هذه اللحظة وجدت الحل، فالإبهام جزء من تكوين الحلاج، ونص الحلاج ليس شعرا، إنه نص مفتوح على كل الاحتمالات، ولما رسمته لا أدري هل كانت اللوحة أنا أم الحلاج أم العراق"؟

يؤكد ابن السماوة أن اليابانيين استجابوا للوحات الحلاج بشكل جيد جدا، فعاد إلى النفري في نصوصه الغنية، فهي "أشبه بالشرارة وهي تفتح الأبواب على آفاق كثيرة، والتجربة نجحت أيضا، شعرت أنني أشبع من هذه التجربة: ترحيل النص إلى لوحة".

الوجوه تتكرر في لوحات هاني مظهر.. ثمة وجوه كثيرة في صدر اللوحة أو في عمقها.. هو يقول إن الوجه تبرير فهو غاية ووسيلة، صورة وقناع، وآخر معارضه في لندن حمل عنوان "ما وراء الوجه"، لذلك تكررت الوجوه وأقنعتها دون أن يحدد أين هو الوجه وأين هو القناع .. فما فلسفة الوجه؟

وحسب مظهر فإن الوجه "يحمل إمكانية أن تحمله المعاني، فأنا أتحاشى رسم اللوحة-الفكرة يعني أن تشرح معنى معينا ألجأ لأن تكون الوجوه بمجموعها حاملة للمشاعر والأحاسيس، ملمس سطح اللوحة هو الذي يشرح اللوحة، الصورة لا تشرح .. الوجه عندي لا يختلف عن رسم شباك أو حجر أو بحر، سوى أن للوجه إمكانية لنقل الأحاسيس المختلفة .. ربما أستطيع تفسير ذلك من زاوية نظر أخرى وجوه كثيرة غابت عني في زحمة سنوات المنفى.. ربما هنا محاولة لإستحضارها بأي طريقة".

المصدر : الجزيرة