زينب عساف-بيروت

"ذات يوم، ابتسمت الأرض، فكانت سوريا/ أما الآن..."، هكذا يقول الشاعر السوري المنفي حاليا والسجين السياسي سابقا فرج بيرقدار عن وطنه في ديوانه "أنقاض" الصادر حديثا عن دار الجديد اللبنانية. هي سوريا الداخل والخارج، وكما تبدو من نافذة صغيرة لسجين سياسي.

في سجن صيدنايا العسكري سنة 1993 تبدأ هذه قصائد الديوان لتنتهي في سنة 2000، ومن خلال تلك النافذة المفتوحة على زرقة وحلم وظل مئذنة يرسم بيرقدار مساحة شاسعة من البوح الحرّ.

يجول الشاعر افتراضيا فوق خريطة وطن منهك بالعسس والسبطانات والأحذية العسكرية "تتشقق غيومه عطشا وتكتوي بالبرق ولا تمطر"، كما يغوص داخل نفسه، التي ماتت أكثر مما ينبغي وعاشت أكثر مما ينبغي، وهزم يأسها كل شيء.

ورغم تحليقها في عالم الرؤيا، لا تهمل القصيدة في ديوان "أنقاض" اليومي، بل تدوّن تفاصيل حياة تضيق حتى الاختناق تارة ثم تتسعّ حتى المستحيل طورا.

فرج بيرقدار أمضى سنوات في سجن صيدنايا العسكري في سوريا (الجزيرة )

بياض يلّوّن الأسود

المرأة مساحةٌ أخرى للهروب في ديوان "أنقاض"، إمرأة واقفة عند ناصية المعجزة، إمرأة غائبة ممحوّة الملامح، قرب الزنزانة الأخيرة، لكن خيالها حاضر كمحاولة متخيّلة لانتشال الشاعر من يأسه.

والمرأة في هذا الديوان كالأغنية والمئذنة وجرس الكنيسة، كلها عوامل تبدد الوحشة. ومن خلال مشاعره العميقة نحوها يسمو الشاعر ويسقط ثم ينهض، لأنه أحبّها "إلى حدود اليأس، وإلا.. فما الذي يدعوه إلى البكاء وحيداً، وبكل هذه المرارة؟".

ما يحاول فرج بيرقدار قوله من خلال حديثه عن الحب والخصوصية (يعبّر مثلاً عن انزعاجه من زجّ سجين آخر معه رغم أنه مسجون في غرفة انفرادية) هو الإنساني، هو العمق الذي لا تستطيع سنوات السجن الطويلة محوه.

هو ما يبقى حين يفقد المرء القدرة على البكاء، هو الصفاء الذي يلوّن المساحة الداخلية وينسحب على المشهد الخارجي، لكن "هل يستطيع طائر أبيض أن يلوّن بجناحيه المهيضين/ كل هذا السواد؟!" / وهل تستطيع الأغاني والينابيع أن تطفئ بعذوبتها الراعفة كل هذا الفحيح؟!".

الليل منديل أسود تنوح به الريح.. يا إلهي!/ ثلاثين عاما، وجثمان الحرية لا يزال دافئا

ليست بلادي هذه
تحت عنوان "إليكم عني" يتنكّر الشاعر لبشاعة الواقع خارج الزنزانة، ينبذه ويعيد تشكيله كما تقتضي مثاليته، يقول رافضا العنف "ليست بلادي هذه التي تتضوّع كراهيةً وتهرش رأسها بالمجنزرات".

كما يصوّر ببراعة الصمت العام الذي يعلوه كلام بلا معنى مشبّها الوطن بالمقبرة ومتسائلاً بمرارة "ما الذي تعنيه رايةٌ منصوبةٌ فوق سكون المقبرة؟".

هذه الأبيات الناقمة سرعان ما يلفحها نفس الثورة اللاهب، الثورة الحرة الحقيقية التي تجرف العفن كله ولا تموت بمرور الزمن "الليل .. منديل أسود تنوح به الريح، يا إلهي!.. ثلاثين عاما وجثمان الحرية لا يزال دافئاً".

في سجن صيدنايا العسكري، وتحت التعذيب الجسدي والنفسي الممتدّ لسنوات ظلّ فرج بيرقدار نفسه، لم يزده القهر وانسداد الأفق إلا تحليقا فوق الواقع حتى اللامحدود، لم يزده التعذيب إلا سموا لينزف مونولوغات طويلة تسائل الخير والشر فيه، الضعف والقوة، العنف والمغفرة.

السؤال السياسي الكثيف في الديوان لم يحجب الهم الوجودي عند الشاعر"هل يبدأ الإنسان ملاكا؟ .. إذن أيّة شياطين؟!.. سؤالاً؟.. إذن أيّة أجوبة"؟! ولا حتى التعبيري "كل لغة مضيق، ولا رحابة إلا في محيط الصمت".

في المنفى.. أنت الذي يدور حول اللعنة/ أما في السجن فإن اللعنة هي التي تدور حولك

تغريبة اتحاد الكتّاب
يقول بيرقدار في ديوانه هذا "داخل كل سجن/ سجن آخر". وهو محقّ لأن القمع لم يقتصر على مستوى واحد، هو بنفسه سيختبر أسوأ هذه المستويات بعد خروجه من السجن وتقدّمه بمخطوط هذا الديوان إلى اتحاد الكتاب العرب في بداية العام 2003.

يومها رفض الاتحاد طبع هذا الكتاب لأنه "في معظم النصوص ثمة إساءة إلى الفكر القومي والانتماء إلى الوطن"  وفق ما جاء في تقرير لأحد كاتبين قرآ المخطوط وعبّرا عن إعجابهما الفني لا الفكري بهذه القصائد.

يومها فنّد بيرقدار ما ورد في تقرير الاتحاد نقطة بنقطة، موجها رسالة إلى مثقفي السلطة مفادها هل يكون المبدع مبدعا إذا كان ولاؤه للسلطة أكبر من ولائه للإبداع؟ قائلا "الحقيقة أعطانا التاريخ عددا ولو محدودا من مبدعين عباقرة، استطاعوا أن يقدّموا لنا إبداعا حقيقيا، رغم أن ولاءهم الأول كان للسلطة".

ويضيف الشاعر السجين "وإني آمل أن يتمكّن كاتبا التقريرين وأمثالهما من الدخول عبر البوّابة نفسها التي دخل منها هؤلاء العباقرة". وفي ما يشبه النبوءة يكتب الشاعر عن منفاه المستقبلي "في المنفى.. أنت الذي يدور حول اللعنة/ أما في السجن، فإن اللعنة هي التي تدور حولك".

كما يعبّر عن خذلانه بالقول "أمضيت حياتي وأنا أفعل الممكن/ يا لخذلاني، لم أفعل ولو مستحيلاً واحداً" لكن بيرقدار فعل مستحيلا إنسانيا راقيا بخروجه من السجن أكثر نقاء وشعرا.

المصدر : الجزيرة