يحيى يخلف: الأدب الجيد يخدم القضية
أما الرديء فيسيء إليها
(الجزيرة)

نزار الفراوي-الدار البيضاء

لم يكن قد جاوز عامه الرابع بعد، وهو ينام في حضن أمه على العربة التي تقل النازحين الفلسطينيين هربا من بطش العصابات الصهيونية. غير أن تراجيديا الترحيل القسري وذكرى فقدان الأرض تسكن أدب الروائي الفلسطيني يحيى يخلف، بمرارة مزمنة.
 
يصعب أن يصدق القارئ أن ما يرويه يخلف عن ذاكرة قريته "سمخ"، التي تقع على الشاطئ الجنوبي لبحيرة  "طبرية"، ليس شهادة معايشة واقعية لهذا الفضاء، بل مجرد تخيّل استرجاعي للمكان الذي وقع تحت نير الاحتلال الإسرائيلي في نكبة 1948.
 
يذكر يحيى يخلف مع ذلك أن يوم الرحيل على العربات كان ممطرا بغزارة، وأن الطفل الذي كانه لم يميز بين ماء المطر على وجه أمه ودموعها المنهمرة من وقع الفقدان. منذئذ تسكن وعيه السياسي وحساسيته الأدبية ونسغ نشاطه السردي، تراجيديا الأرض المسلوبة ومأساة اللجوء.
 
يحيى يخلف:
أنا من جيل ترعرع تحت شمس الثورة.. لقد أتاحت لنا التجربة النضالية الميدانية الفرصة للكتابة عن حياة عشناها وليس عن حياة ذهنية
وعي مبكر
وبنمو الموهبة الأدبية والرغبة في الرواية، صار الكاتب الفلسطيني يستدعي مكونات فضائه البعيد "من وحي الحكايا التي كنا نتدفأ بها في برد الشتاء، من حلقات التاريخ الشفوي الذي اشتغلت عليه"، يقول يحيى يخلف الذي حل مؤخرا ضيفا على البرنامج الثقافي لمعرض الدار البيضاء الدولي للكتاب والنشر.
 
"تفاح المجانين" 1981، و"نشيد الحياة" 1985، و"بحيرة وراء الريح" 1988، و"نهر يستحم في البحيرة"، وصولا الى "جنة ونار"، خط إيداعي موصول كرس يحيى يخلف كواحد من أعمدة الأدب الفلسطيني، ونموذج للروائي الفلسطيني الذي احتفى بالمكان والذاكرة في بعدهما الوطني دون تقديم تنازلات فنية، حيث اكتست القضية الفلسطينية بعدا إنسانيا حميما يسائل الوعي البشري المجرد دون شوفينية عمياء أو خطابة حجاجية جوفاء.
 
وفي هذا السياق، يقول يخلف الذي شغل سابقا منصب وزير الثقافة للسلطة الوطنية الفلسطينية، ويتولى حاليا مهمة رئيس دائرة الإعلام والثقافة بمنظمة التحرير الفلسطينية، "لقد ولى زمان كتابة قصائد عن الحجر والأرض بغض النظر عن توفر العناصر الفنية الضرورية.. الأدب الجيد يخدم قضيتنا، لكن الرديء يسيء إليها".
 
من هذه الزاوية، يؤكد مؤلف "نجران تحت الصفر" (1976) أنه هو ورموز عديدة في الأدب الفلسطيني -على غرار الشاعر الراحل محمود درويش- "كتبنا عن فلسطين كقضية إنسان لا كشعارات.. لقد كتبنا عن روح الحياة في شعبنا".
 
غلاف رواية "جنة ونار" ليحيى يخلف (الجزيرة)
رواية الهوية
وقد واصل يحيى يخلف رهانه المزدوج في الجمع بين تناول الأبعاد الإنسانية للقضية الفلسطينية مع الإخلاص لمقومات العمل الفني وخطابه الجمالي المختلف عن أسلوب التوثيق التاريخي السياسي، ليتوجه بعمله الروائي الأخير "جنة ونار" الصادرة عن دار الشروق.

وعن هذا العمل يقول الناقد فيصل دراج "هي رواية الهوية الفلسطينية بامتياز، تحيل على الأرض والتاريخ والعذاب وبطولة القيم، وتنتهي إلى جوهر فلسطيني تصرح شخصياته عن جماله، كما لو كانت فلسطين جمالا مستديما لا تهزمه الأزمنة".

يظل يحيى يخلف من القلائل المحافظين على إيمانهم بدور المثقف في التعبئة من أجل التغيير. وقد اختبر هذا الدور ومارسه في معمعة الكفاح الفلسطيني المسلح ضد الاحتلال الاسرائيلي، كما تبينه في فصول الحراك الشعبي العربي المتواصلة.

يذكر يخلف أن معسكرات العمل الفلسطيني المسلح تعاملت في البداية بنوع من الاحتقار للقلم ورفعت راية المجد للبندقية، لكن الفلسطينيين اكتشفوا سريعا الدور الذي تضطلع به الثقافة في خدمة قضية شعبهم وتعبئة الشعوب العربية وشعوب العالم حول مأساتهم ومعركتهم من أجل استعادة حقوقهم المشروعة.

دور الثقافة
ويرى أن الثقافة ما زالت تواصل دورها الطليعي عبر زرع بذور الحراك الشعبي الذي عم مجموعة من الدول العربية، رغم أنه يبدو كثورات "بلا أب روحي".. إن جذور الحراك في نظره، ثقافية نهضوية.

وعن تجربته الميدانية ثم مساره كناشط ثقافي وإعلامي في صفوف المقاومة الفلسطينية، يقول يخلف "أنا من جيل ترعرع تحت شمس الثورة.. لقد أتاحت لنا التجربة النضالية الميدانية الفرصة للكتابة عن حياة عشناها وليس عن حياة ذهنية".

العمل الحركي السياسي ترافق لدى يحيى يخلف مع الإبداع الأدبي، في علاقة إشكالية مزمنة طرحت نفسها بقوة لدى كثير من الأدباء. ومن هذا الموقع -يقول الروائي الفلسطيني بلا وثوقية- "لقد حاولنا ألا تمتص السياسة دمنا".

المصدر : الجزيرة