صورة للاحتفال بذكرى جواد سليم تحت نصب الحرية (الجزيرة)
علاء يوسف- بغداد
 
تحت نصب الحرية  في ساحة التحرير بمنطقة الباب الشرقي وسط بغداد، احتفل جمع من العراقيين في ليلة من ليالي بغداد الباردة التي تحمل عبق دجلة الخالد، باليوبيل الذهبي لرحيل صاحب أشهر نصب في بغداد والشرق الأوسط الفنان الراحل جواد سليم. وأقام الحفل عدد من عاشقي فنه بالتعاون مع مؤسسة المدى الثقافية.

ويعد الفنان جواد محمد سليم علي عبد القادر الخالدي الموصلي من أشهر النحاتين في تاريخ العراق الحديث، ولد في أنقرة عام 1921 لأبوين عراقيين وعائلة اشتهرت بالرسم. وكان والده الحاج سليم وإخوته سعاد ونزار ونزيهة جميعهم فنانين تشكيليين، وبدأ جواد في طفولته يصنع من الطين تماثيل تحاكي لعب الأطفال، وأكمل دراسته الابتدائية والثانوية في بغداد.

بيت جواد سليم في بغداد (الجزيرة نت)

مسيرة وجوائز
نال سليم وهو في عمر 11 عاما الجائزة الفضية في النحت في أول معرض للفنون ببغداد عام 1931، وأرسل في بعثة إلى فرنسا فدرس النحت في باريس عام 1938/1939، وفي روما عام 1939/1940، ثم في لندن بين عامي 1946 و1949.

ورأس الراحل قسم النحت بمعهد الفنون الجميلة في بغداد حتى وفاته يوم 23 يناير/كانون الثاني 1961، ودفن في مقبرة الخيزران بمنطقة الأعظمية، وكان يجيد اللغات الإنجليزية والإيطالية والفرنسية والتركية إضافة إلى لغته العربية، وكان يحب الموسيقى والشعر والمقام العراقي.

فاز نصبه "السجين السياسي المجهول" بالجائزة الثانية في مسابقة نحت عالمية عام 1953، وكان المشارك الوحيد من الشرق الأوسط، وتحتفظ الأمم المتحدة بنموذج مصغر من البرونز لهذا النصب. وأسس "جماعة بغداد للفن الحديث" مع الفنان شاكر حسن آل سعيد، والفنان محمد غني حكمت، وهو أحد مؤسسي جمعية التشكيليين العراقيين.

 قاسم السبتي: هذا الاحتفال بجواد سليم لا يعطيه حقه (الجزيرة نت)

مدرسة فنية
يقول عضو جمعية الفنانين التشكيليين قاسم السبتي إن أي احتفال تقيمه نقابة الفنانين لا يعطي هذا الفنان الخالد حقه، فهو يبقى في الصدارة، والاحتفال بتجربتة والتأكيد على ريادتة لفن النحت الحديث "واجبٌ علينا نحن من تتلمذنا على يديه".

ويضيف في حديثه للجزيرة نت أنه سيُطبع كتاب يتحدث عن إبداع جواد سليم، وجرى تكليف الدكتور عامر عبد الأمير بكتابته، كما سيعاد طبع كتاب "الأخيضر والقصر البلوري" لمؤلفه رفعت الجادرجي الذي خصص فصلا كاملا عن الراحل جواد سليم.

ويشير السبتي إلى أن هناك ثلاثة أعمدة بالفن التشكيلي العراقي، وهم الراحل الكبير جواد سليم وفائق حسن وشاكر حسن آل سعيد، وكل منهم يمثل اتجاها، لكن يبقى جواد سليم في الصدارة، حيث أسس جماعة بغداد للفن الحديث وأوصل الكثير من مريديه إلى مدرسة إبداعية يطلق عليها الفن البغدادي.

ومزج جواد سليم بين واسطيات محمود الواسطي في القرن السابع عشر وإبداع الفنان بيكاسو حسب السبتي، ونجح في المزج بين مدرستين وعالمين إلى حد بعيد، لذلك ما زالت تجربته إلى حد الآن ذات تأثير كبير في قطاع واسع من الفنانين وخصوصا الشباب منهم.

إبراهيم العبدلي: مدرسة جواد سليم تمزج بين الفن الإسلامي والفن الحديث (الجزيرة نت)

أسلوب متفرد
من جهته يقول أستاذ التصميم الغرافيكي بجامعة الشرق الأوسط الدكتور إياد محمد الصقر للجزيرة نت، "إن جواد سليم من أشهر النحاتين في العراق المعاصر، وهو من عائلة فنية، ويشرفني أنني تتلمذت وتعلمت الفن على يد شقيقته الفنانة نزيهة سليم".

ويضيف أنه أسس مدرسة عراقية أصيلة في الفن الحديث تضاهي مدرسة الواسطي في العراق، وتتجاوز عددا كبيرا من مدارس الفن في العالم, وقد كتب عنه العديد من الفنانين والنقاد وتمت مناقشة أسلوبه وحياته في دراسات عليا كالماجستير والدكتوراه.

كما أن أسلوبه -حسب الصقر- يبعث عند المتلقي الانفعال والتوتر لقوة خطوطه وتعبيراته الرمزية والوجدانية، وهي صفة يتمتع بها الإنسان العراقي عموما، وقد أدرك جواد سليم ذلك ووعاه تماماً، كما أن أشكاله وشخوصه تبدو في أعماله كأنها تتحرك من مكان إلى آخر، كما في جداريته "نصب الحرية", وهي من أهم وأشهر النصب في منطقة الشرق الأوسط.

ويشير الصقر إلى أن أسلوب جواد سليم تميز باستخدام الرموز التعبيرية التي يعتقد البعض أنها تزويق فني، لكنه مزج من خلالها بين تراث بلده وصدق الإحساس لتمثل عزيمة وثقة الإنسان بالطموح والثورة، ولذلك نرى أن جواد سليم تقرب من الأسلوب الغرافيكي في التعبير والأداء.

من جانبه يرى الفنان التشكيلي إبراهيم العبدلي أن جواد سليم "تمكن من الربط بين الماضي والحاضر، حيث مزج الفن الإسلامي مع الفن الحديث، وهذا يعتبر من أهم الإنجازات بالنسبة لي كفنان تشكيلي تأثر بإبداع الراحل جواد سليم".

 مهند داود: جواد سليم يمتلك عمقا  حضاريا وجذورا عراقية تاريخية (الجزيرة نت)

مثل أعلى
ومن الفنانين الشباب الذين تأثروا بإبداع جواد سليم، الفنان التشكيلي مهند داود الذي يرى في سليم أحد المبدعين العمالقة في العالم على مستوى الفن التشكيلي عموما والنحت خصوصاً، ويؤكد أنه فنان يمتلك عمقا حضاريا وجذورا عراقية تاريخية, واشتهر بما يعرف ببناء النحت البارز، وهو واحد من مؤسسي الفن الحديث في بغداد.

ويضيف داود في حديث للجزيرة نت أن سليم أول فنان عراقي احتفظت الأمم المتحدة بأعماله، وقد أبدع مع رفاقه الفنانين رفعت الجادرجي ومحمد غني حكمت في عمل أسطورة القرن، وهو نصبه الشاخص وسط بغداد، وهو أسطورة لما يمتلكه من حرية في التنفيذ وعفوية وتناغم وانسجام في مفرداته بما يؤكد عبقرية هذا الفنان الرائد.

يذكر أن وزارة الثقافة العراقية اشترت منزل الفنان الراحل جواد سليم، وحولته إلى متحف يضم أعماله ولوحاته.

المصدر : الجزيرة