حلمي القاعود

عرفت نجيب محفوظ في حياته، شخصا وأدبا، وقابلته ثلاث مرات في مكتب الأستاذ ثروت أباظة -رحمه الله- بالأهرام، ورأيته أكثر من مرة في بعض المناسبات منها الاجتماع التأسيسي لاتحاد الكتاب في منتصف السبعينيات تقريبا. سلمت عليه وحييته، وتبادلنا كلمات قليلة.

لم أحاول أن أكون مريدا من مريديه لحرصي على معرفته من خلال سطوره وأفكاره وأدبه، وهو منهج وضعته لنفسي لأكون على مسافة ما من الكتاب والشعراء، كي لا تتأثر أحكامي النقدية عليهم من خلال العلاقة الشخصية. وكان صاحب الرسالة الأستاذ أحمد حسن الزيات -رحمه الله- قبل وفاته عام 1968 قد زكاه فنيا وأدبيا في شهادة سمعتها منه.

قرأت نجيب محفوظ في كل ما كتبه تقريبا حتى رحيله، وكتبت عن كثير من رواياته وأعماله، وعرفت كيف يتابع قضايا الوطن من خلال فنه. وما زلت أذكر قصته القصيرة التي نشرها ملحق الأهرام عام 1967 بعنوان "الحاوي خطف الطبق" وكانت عن ضياع سيناء، وملخصها أن ولدا قالت له أمه: خذ هذا الطبق وهات بقرش فولا، وفي الطريق شاهد الطفل حلقة من الناس في مركزها حاو يقدم ألعابه ومهاراته، مما أدهش الطفل، فنسي المهمة التي كان خارجا من أجلها وعاد إلى أمه، وقد فقد الطبق والقرش جميعا. هذا موجز شديد للقصة التي عبرت عن الخيبة والضياع في مهانة 1967 التي سموها يومئذ نكسة!

نجيب محفوظ ابن مصر كلها، وليس حكرا على أحد بعينه، وكان من أول من كتبوا عنه وأشادوا به الشهيد سيد قطب والأستاذ وديع فلسطين، ونجيب كاتب كبير أفضل من كثيرين حصلوا على جائزة نوبل، وله أعمال جيدة، وأخرى ليست على مستوى فنه وفكره، ومنها رواية أولاد حارتنا، فهي -من وجهة نظري- رواية ضعيفة بالنسبة إلى رواياته الأخرى.

وقد عانيت في قراءتها معاناة كبيرة، وفيها رؤى ورموز مختلطة ومتعارضة، ولا تعطي المتعة الفنية التي يمكن أن نجدها في رواية مناظرة مثل "الحرافيش" التي تحفل بثراء فني وأدبي كبير، يصل ببعض صفحاتها إلى مستوى الشعر. وقد أوضحت ذلك في دراسة طويلة نشرتها عقب صدورها وأشدت فيها بالقيمة الأدبية للرواية، التي تتحدث عن العدل والحرية من خلال عالم الفتوّات في الحارة.

ومشكلة بعض الذين يتاجرون بنجيب محفوظ أنهم يضعونه في مرتبة القداسة الإلهية والعصمة النبوية، والقداسة لا تكون إلا لله، والعصمة لا تكون إلا للنبي، ونجيب محفوظ بشر يؤخذ منه ويرد عليه، ويعتريه ما يعتري البشر من لحظات قوة ولحظات ضعف، من منكم حقق الكمال في ذاته؟

الذين يقدسون نجيب محفوظ ويعصمونه يسيؤون إليه إساءة بالغة، وينفّرون الناس منه، خاصة حين يتخذونه وسيلة لهجاء الإسلاميين، أو وسيلة دعائية انتخابية يحاولون بها كسب أصوات الناخبين، أو طريقا يصعدون من خلاله إلى الشهرة وبعض الفوائد. إن متاجرتهم به ليست حبا حقيقيا له، أو إيمانا بأفكاره ومضامينه، أو احتراما لقدراته ومواهبه.

ولو كانوا يحبونه حقا لآمنوا أن من حق أي أحد أن يرفض نجيب محفوظ أو غيره من الناس، لأن هذه طبيعة بشرية تعني أول ما تعني حق الاختلاف، والناس لا يجمعون على الذات الإلهية، بل يختلفون عليها ومن حولها، وقد سجل القرآن الكريم لفرعون وإبليس وللمشركين والكفار آراءهم وأقوالهم التي ترفض الحق سبحانه بآيات كريمة نتعبد بها في صلواتنا وقيامنا وقراءتنا للقرآن، فكيف ببعض الناس يفرض على الناس أن يجعلوا نجيب محفوظ ذاتا مقدسة؟ أليس من حق بعضهم أن يحب نجيب محفوظ مثلما يحق لبعضهم الآخر أن يرفضه؟

الذين يقدسون نجيب محفوظ ويعصمونه يسيؤون إليه إساءة بالغة، وينفّرون الناس منه، خاصة حين يتخذونه وسيلة لهجاء الإسلاميين، أو وسيلة دعائية انتخابية

لقد قام كاتب شيوعي سوري بنشر رواية بذيئة وتافهة قبل سنوات على حساب المواطنين المصريين، سبّ فيها الذات الإلهية، وقال كلاما غثا رديئا عن القرآن والإسلام، وعبر عن إباحية فجة تثير الاشمئزاز، ويومئذ انطلقت الأصوات التي تتاجر بنجيب محفوظ الآن تدافع عما تسميه حرية الرأي والفكر والتعبير، وتنادت إلى الدفاع ضد ما أسمته موجة الفكر الظلامي التي تهدد الأدب والثقافة، وتبارى مثقفو الحظيرة في تقديم مسوغات تشفع للرواية البذيئة الرديئة.

اليوم يكرر المتاجرون بنجيب محفوظ القصة بشكل انتخابي يسيء إلى الرجل وينتقص منه، مع أن الرجل اعترف في ذكرياته التي أملاها على رجاء النقاش بكثير من أوجه الضعف الإنساني التي مر بها وخاصة في مطالع شبابه، كما تناول مراحل تحولاته الفكرية العديدة، وذكر تأثره بالكاتب الراحل سلامة موسى، الذي كان يدعو إلى الشيوعية ويبشر بها في النصف الأول من القرن العشرين.

وفي هذه الذكريات يكرر نجيب محفوظ ويؤكد أنه يحترم الإسلام، وأنه لم يقرأ كتابا أكثر من مرة غير القرآن الكريم الذي يتلوه باستمرار، ويقرأ تفاسيره بانتظام، وفي بعض رواياته يقول على لسان إحدى الشخصيات: "لست تافها كما تتصور، إني صاحب حق، وذو ثقافة، بوسعي أن أحدثك عن عيوب الديمقراطية، وعيوب الشيوعية.." (قلب الليل، ص 34).

وقد علل أواخر حياته في حديثه إلى رجاء النقاش لعدم انتشار الشيوعية في مصر مثلا، بقوله: "إنها لم تنتشر بسبب قوة الإسلام في نفوس المصريين، والإسلام يتضمن الدعوة لمبادئ العدالة والتضامن والمساواة التي تنادي بها الشيوعية.." (رجاء النقاش، نجيب محفوظ: صفحات من مذكراته وأضواء جديدة على حياته، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة، 1998م، ص257 ).

وفي كل الأحوال فقد كان نجيب محفوظ يصر على الإعلان دائما عن إيمانه العميق، ويقول: "إن في أعماق قلبي وروحي إيمانا بالله لم تنتزعه مني دراستي للفلسفة ولا تفكيري المتصل في مشاكل الإنسان والمجتمع والكون" (رجاء النقاش، نجيب محفوظ...، ص296).


بل إنه يستشهد بالكاتب الصهيوني ماتيتياهو بيليد الذي كان قائدا للقتال في الضفة الغربية في حرب 1967، برتبة جنرال احتياط، حيث أشار إلى أن ببليد توصل من خلال قراءته لأعماله وتحليله لشخصياتها وأحداثها إلى أن محفوظ يميل إلى الاتجاه الإسلامي وليس إلى الماركسي كما قال النقاد العرب، ونهايات رواياته تتوافق إلى حد كبير مع المبدأ القرآني: "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره" (رجاء النقاش، نجيب محفوظ...، ص333).

علينا أن نتذكر أن صورة ما قدمه نجيب محفوظ مرتبطة في الذهن العام بما قدمه بعض السينمائيين لأعماله، وهي صورة مشوهة بالتأكيد

لقد انتقل نجيب محفوظ من مراحل القلق الفكري والعقدي إلى مرحلة أعلن فيها التصالح مع نفسه من خلال ما كتبه عن أحلام فترة النقاهة وما بعدها، ومع الإسلام من خلال تصريحاته ومقالاته القصيرة التي كان ينشرها بانتظام في الأهرام، ويمليها على مرافقه، وقد أخبرنا الأستاذ محمد صبري سكرتيره الخاص في الأهرام أنه كان يصلي قبل وفاته وكان يتيمم نظرا لظروف مرضه.

وعلينا أن نتذكر أن صورة ما قدمه نجيب محفوظ مرتبطة في الذهن العام بما قدمه بعض السينمائيين لأعماله، وهي صورة مشوهة بالتأكيد، بحكم ما حملته من إلحاح على أن المجتمع المصري هو مجتمع العوالم والغوازي والانحرافات والحشاشين والسكارى.

صحيح أنه كان يتم التلميح إلى بعض المواقف الوطنية والنضالية على الشاشة، ولكنها كانت تتهاوى أمام صورة العالمة أو الغازية أو غيرهما، وقد سئل نجيب عن رأيه في الأفلام التي تقدم عن رواياته، فأجاب إجابة دبلوماسية ظل يكررها في أحاديثه الصحفية، وهي أنه غير مسؤول عنها، ومسؤوليته مرتبطة بما كتبه فحسب.

وأعتقد أنه بدلا من أن نقول لمعارضي نجيب محفوظ وفقا لهذه الصورة السينمائية: اخجلوا من أنفسكم، نبين لهم تحولات نجيب الفكرية والأدبية والفنية، ونشرح ونحلل بلغة واضحة مستقيمة.

المفارقة أن نجيب محفوظ عاصر عددا من كبار الكتاب والأدباء والشعراء، وأعمالهم ترقى إلى مرتبة عالية تكاد تفوق بعض أعمال نجيب محفوظ نفسه، ومع ذلك لا يجدون من يكتب عنهم سطرا واحدا.

والسبب معروف أن الحظيرة الثقافية التي تزداد رسوخا بعد ثورة 25 يناير، لا ترضى عنهم، وما بالك بقامات عالية وكبيرة من جيل نجيب محفوظ، مثل الموهوب العظيم محمد عبد الحليم عبد الله، وآخرون مثل محمود تيمور، ومحمد فريد أبو حديد، ويحيى حقي، وعلي أحمد باكثير، وعبد الحميد جودة السحار، وعادل كامل، وعبد الرحمن الشرقاوي، ومحمد سعيد العريان، وعبد المنعم الصاوي، وأمين يوسف غراب، وجاذبية صدقي، ويوسف جوهر، ومحمود البدوي، وإحسان عبد القدوس، ويوسف السباعي.

وهناك أجيال أخرى متتابعة فيها قامات تثبت أن مصر ليست مجدبة، بل هي خضراء عامرة، ولكن القوم لا يحبون الإنصاف، ويصرون على التعبد في محراب الفرعنة: الفرعون الواحد والبطل الواحد والأديب الواحد.. لا مجال للتعدد والتنوع الخلاق، وهذا ما يجعلهم في الغالب يقفون في صف الاستبداد والدكتاتورية والفاشية.

إن التجارة بنجيب محفوظ عمل ضد الأخلاق وضد نجيب محفوظ والأدب جميعا.

رحل أحمد بهجت وعبد الحليم عويس رحمهما الله، لم يهتم بهما المتاجرون بنجيب محفوظ، لأنهما كانا يغردان خارج السرب الحظائري!
______________
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة