صورة السيدة اليمنية حاضنة قريبها وتمثال مايكل أنجلو الشهير (الجزيرة نت)

غادة دعيبس-روما

لم تكن الصحفية الإيطالية ماريكا فيانو تبالغ حين شبهت صورة السيدة اليمنية التي تحمل جريحا بين يديها، المتوجة بجائزة أفضل صورة لعام 2011، بـ"تمثال الرحمة" للرسام والنحات الإيطالي الشهير مايكل أنجلو (1475-1564) الذي كرس الكثير من رسوماته وهندسته المعمارية في تلك الحقبة لكنائس إيطاليا ومتاحف الفاتيكان.

فعندما يدلف الزائر إلى كنيسة القديس بطرس في دويلة الفاتيكان بروما، سرعان ما يشد انتباهه التمثال الذي يعبر بطريقة حيّة عن شفقة السيدة مريم على موت ابنها الحبيب الذي قتل ظلما حسب الاعتقاد الكنسي. وقد أبرز النحات معالم جسد السيد المسيح المجرد من لباسه، من نتوءات عضلاته وعظام صدره إلى أوردة يديه ورجليه وحتى الشعيرات الدموية.

وتبدو أفضل صورة صحفية لعام 2011 للإسباني صموئيل آراندا الذي التقطها في 15 أكتوبر/تشرين الأول لسيدة يمنية تحتضن بعطف فتى جريحا بين يديها جراء إصابته في مظاهرة ضد علي عبد الله صالح، قريبة جدا في تصوير حالة الألم، مع تقارب شديد على مستوى الشكل.

وكما في عمل مايكل أنجلو الفني، نرى نتوء عضلات الشاب اليمني وعظام صدره العريان، وهو جريح بين أحضان قريبته. وبفعل الشبه الكبير، لم يكن من محض الصدفة أن يطلق البعض على هذه الصورة "تمثال الرحمة الإسلامي الجديد".

إنها صورة أيقونية عميقة للغاية، يغلب فيها عنصر المعاناة الإنسانية والشفقة في نفس الوقت

صورة أيقونية
ويقول إيدان سوليفان رئيس لجنة تحكيم مسابقة "الصور الصحفية العالمية" في أمستردام التي منحت الجائزة "إنها صورة أيقونية عميقة للغاية، يغلب فيها عنصر المعاناة الإنسانية والشفقة في الوقت نفسه، وهي تظهر لحظة مؤثرة مشوبة بالعاطفة تمثل النتيجة الإنسانية لحدث جسيم.. صورة حية لشجاعة أشخاص عاديين ساعدوا في صنع فصل مهم من تاريخ الشرق الأوسط".

وفي الواقع، تبدو صورة آراندا للمرأة اليمنية على شكل هرم عريضة من الأسفل لتتحد في الأعلى عند رأس المرأة بزاوية مثلثية مع رأس الجريح في ضوء متوهج من الخلف وهو ما يجمع بينها وبين تمثال الرحمة المسيحي، الذي هو -حسب المحللين- عريض من الأسفل ليأخذ شكلا هرميا ويتحد في الأعلى عند رأس السيدة مريم التي تحني برأسها تجاه ابنها وتسنده بيدها اليمنى من تحت ذراعيه. وهو ما نراه في صورة السيدة اليمنية مع قريبها بين ذراعيها.

وقد أراد النحات الإيطالي مايكل أنجلو من الشكل الهرمي لتمثال الرحمة أن يجمع "الحياة مع الموت" كما أن تناقض السيدة العذراء بلباسها الواسع مع ابنها المجرد من لباسه، جاء ليبرز جمال الابن وليعبر من خلال هذا العمل الفني عن تجاوز كل ما هو دنيوي لتحقيق الكمال الإلهي حسب أحد التفسيرات الواسعة للتمثال في الدين المسيحي.

ومع ذلك يمكن إيجاد التشبيه المناسب بين تمثال الرحمة المسيحي لمايكل أنجلو وصورة "الرحمة الإسلامية الجديدة" لآراندا، حسبما وصفتها الصحفية ماريكا فيانو في صحيفة كورييري ديللا سيرا، فإصابة هذا الشاب جاءت من أجل هدف سامٍ، ألا وهو الحرية والكرامة الإنسانية، و"لكي نحصل على الحياة الكريمة لا بد أحيانا من تقديم جسدنا قربانا".

تمثال "الرحمة الإسلامي الجديد" كما أطلق عليه سوف يظل رمزا لمعاناة منطقة بأكملها تمتد من اليمن ومصر وتونس وليبيا لتصل إلى سوريا، وإذا كان الصحفي الإسباني قد التقط صورة السيدة اليمنية المفعمة بالعمق الإنساني والقهر السياسي، فقد فاتت العدسات الكثير من الصور المشابهة لصورة السيدة اليمنية وتمثال مايكل أنجلو معا خلال هبات الربيع العربي.

المصدر : الجزيرة