هيرست أنجز تجهيزات تشكيلية كثيرة عالج فيها العلاقة بين الفن والحياة والموت
(الأوروبية-أرشيف)

أنطوان جوكي-باريس

يحتل الفنان البريطاني داميان هيرست مكانة فريدة في الثقافة البريطانية ليس باعتباره من بين الأكثر شهرة وثراء، بل لأنه الأكثر إثارة للجدل، فمعارضه تشكل حدثا فنيا وتباع أعماله بأعلى الأسعار في مزادات الفن العريقة، لكن الكثير من النقاد والفنانين ينتقدون اتجاهه الفني وخاصة ميوله التجارية والربحية الواضحة.

وجديد الفنان البريطاني هو معرض مخصص لسلسلة لوحاته الشهيرة التي تُعرف باسم "سبوت باينتينغ"، ويتضمّن خيارا واسعا من هذه السلسلة التي انطلق في إنجازها منذ بداية مساره (1986) ولا يزال يعمل عليها إلى حد اليوم.

والمثير في هذا المعرض أن محتوياته تتوزع على 11 صالة عرض يملكها تاجر الفن الأميركي الكبير لاري غاغوسيان في نيويورك ولندن وباريس ولوس أنجلوس وروما وأثينا وجنيف وهونغ كونغ.

والسؤال الأول الذي يطرحه هذا المعرض، وجميع معارض هيرست السابقة، هو: إلى ماذا يسعى هذا الفنان؟ إلى فن عميق ومبتكر أم إلى كسب المال والشهرة؟ بالنسبة لمعجبيه، لا يجوز طرح مثل هذا السؤال لأن الأمثلة كثيرة في تاريخ الفن على فنانين كبار لم يخفوا رغبتهم في الثراء بواسطة فنهم، مثل ديور وتيتيان ولو غريكو وروبنس وكوربيه ووارهول.

ويعد هيرست -المولود عام 1965 في مدينة بريستول الإنجليزية- خير وريث لهؤلاء، فمع أن أسعار أعماله المعروضة حاليا غير مكشوفة، لكن المتابعين يقدرون أنها تتراوح بين 400 ألف و1.5 مليون دولار.

يستحضر هيرست في أعماله شغفه الفريد بالألوان ويستخدمها كقيم مختلفة (الأوروبية-أرشيف)

الحياة الواقعية
وعن قيمتها التشكيلية، يمكن القول إن النقاط الملوّنة والمتفاوتة الحجم التي تحتلها بطريقة هندسية ترمز في الأساس إلى حبوب الأدوية الكلية الحضور في حياتنا اليومية، ومن هنا جاءت عناوينها التي هي في الحقيقة أسماء أدوية.

ومع أن هذه الأعمال تبدو متشابهة، لكنها في الواقع تختلف في الترتيبات التي لا تُحصى للألوان والأحجام المنتشرة في فضاءاتها. ولتفسيرها، لم يعد هيرست يلجأ إلى نظريات الفن التصوّري، كما في السابق، بل نجده يستحضر شغفه الفريد بالألوان واستخدامه لها كقيم مختلفة بحد ذاتها.

ولا تختصر هذه اللوحات عمل هيرست الفني. فمنذ عام 1988 أنجز تجهيزات تشكيلية كثيرة عالج فيها العلاقة بين الفن والحياة والموت. وفي هذا السياق، كان عرضه أشياء مصدرها الحياة الواقعية، كطاولات ومنافِض وأعقاب سجائر وعقاقير وفراشات وأسماك وغيرها داخل واجهات زجاجية.

وانطلاقا من عام 1992، و"كي يكون الفن أكثر واقعية"، شكّلت جثث الحيوانات (خنزير وبقرة وخروف وقرش ونمر...) مادّة أعماله. وعمد الفنان أحيانا إلى تقطيعها أو سلخها بهدف إظهار ما في داخلها أيضا، قبل إسقاط كل منها داخل مربى مائي (أو أكواريوم) مليء بمادّة الفورمول المطهرة والحافظة.

ومنذ عام 1993، حقق سلسلة لوحات أحادية اللون تتخلّلها فراشات، قبل أن يكثّف خطابه عام 2003 فيحلّ الذباب الأسود مكان الفراشات وتظهر تجهيزات على شكل ذخائر قديسين أو واجهات مليئة برؤوس البقر تحمل دلالات دينية، وقد لطّخها الفنان بدم حيوان مسمَّر على الأرض أو على أحد جدران المعرض.

جثث الحيوانات شكلت مادة لأعمال داميان هيرست (الأوروبية-أرشيف)
اتجاه مادي
وفي الواقع، ترتكز إستراتيجية هيرست على ابتكار حدث فني كل عام تقريبا. ففي عام 2007 رصّع جمجمة من القرن الثامن عشر بأكثر من ثمانية آلاف حبّة ألماس كتأمّل راديكالي لتفاهة الحياة. وقد بيعت هذه القطعة بمائة مليون دولار. وتبيّن في ما بعد أن الفنان شارك مع مجموعة من المستثمرين في شرائها بهدف رفع أسعار أعماله الفنية.

وفي عام 2008، وفي خضم الأزمة المالية العالمية، تمكّن من بيع 220 من أعماله الفنية في مزاد "سوزبي" الشهير بسعر 200 مليون دولار. وعن هذه الصفقة أيضا، تبيّن أن لاري غاغوسيان وصاحب غاليري "وايت كيوب"، وهما يملكان الكثير من أعمال هيرست، كانا حاضرين أثناء المزاد ولعبا دورا مهما في رفع المزايدات.

وفي عام 2009، عرض هيرست في متحف "والاس" بلندن مجموعة لوحات أنجزها بنفسه، وليس بواسطة مساعديه الذين يبلغ عددهم المائة. لكن المعرض اعتُبر فاشلا جماليا ونقديا. وفي عام 2010، تألف معرضه في متحف علم المحيطات بموناكو من قروش مثبّتة داخل علب كبيرة شفّافة، وصرّح بأنه ينتظر أن يشيخ قبل أن يبدأ بعرض أعماله في متحفٍ فني. تصريحٌ يتناقض مع عدم رفضه معرض الاستعادة الذي ستنظّمه له غاليري "تايت" العريقة في لندن العام المقبل.

ينال من إنجازات هيرست طابعها المتفرّق والاستعراضي، كما ينقص من قيمتها تصريحات الفنان المتناقضة بشأنها
مفردات صادمة
وفي معرض تفسير شهرته الفائقة، يقرّ منتقدو هيرست بقدرته في بداية مساره على ابتكار مفردات صادمة تتعلّق بعالم الأدوية، لكنهم يشككون في قيمة أعماله اللاحقة التي حققها، في نظرهم، بطريقة صناعية، واعتمد في الترويج لها وبيعها على عبقريته التجارية ومعرفته الشديدة بحركة سوق الفن وعلاقته ببعض النافذين فيها، متجاهلين أن مارسيل دوشان عاش قبله من تجارة الفن ولم يمتنع من عرض مبْوَلةٍ حقيقية كعمل فني ومن بيعها بسعر خيالي.

وبعكس دوشان، الذي تشكل إنجازاته كلا مترابطا وكثيفا، ينال من إنجازات هيرست طابعها المتفرّق والاستعراضي، كما ينقص من قيمتها تصريحات الفنان المتناقضة بشأنها.

ولفترة طويلة، اعتبر هيرست أعماله إشباعا لرغبته في ممارسة فن تصوّري، قبل أن يصرّح منذ عامين بنبرة تحريضية "مغامرتي مع الفن التصوّري دامت عشرين عاما، اليوم أعتبر أن ذلك كان مجرّد حماقة".

لكن بدون أي مفهوم أو تصوّر لإرشاد النظر داخل فضاءات لوحاته المعروضة اليوم، والمرقّطة بألوان شتى، تفقد هذه الأخيرة الكثير من قيمتها، وتبدو فقيرة مقارنة بطموحاته المالية.

المصدر : الجزيرة