طارق الشناوي
 
مع موجة الربيع العربي بدأت المهرجانات السينمائية في العالم كله تفسح المجال لأفلام الثورات العربية، وخاصة الثورة السورية، باعتبار السينما من الأسلحة المناهضة للاستبداد والداعمة لتطلعات الشعوب، ولم تلتفت تلك المهرجانات لمدى أحقية تلك الأعمال بالاحتفاء على المستوى الفني، بل كانت حساباتها في ذلك بالدرجة الأولى سياسية.

والقرار الذي أصدرته مؤخرا إدارة مهرجان القاهرة، ثم مهرجان دبي الذي يفتتح 9 ديسمبر/كانون الأول باستبعاد الأفلام السورية من المشاركة سواء تلك التي أنتجتها مؤسسة السينما الرسمية أو حتى الشركات الخاصة بحجة اصطفاف مخرجيها مع النظام أثار العديد من ردود الأفعال ما بين مؤيد ومعارض.

فرغم أن الأعمال الفنية والسينمائية المساندة للثورة هي الغالبة تبقى دائما لدى النظام السوري "ذخيرة" في هذا المجال، وهو لم يعدم بعد الوسائل في المجال الفني والإعلامي، فهناك محطات فضائية تبث مسلسلات وأعمالا فنية سورية ما زالت تعرض وتقف وراءها الدولة.

النظام السوري كان حريصا على أن تصبح المؤسسة العامة للسينما هي القوة التي يلجأ اليها للسيطرة على المثقفين حتى يضبطوا موجاتهم الفكرية تماما على إيقاع السلطة

سينما النظام
وليس مهما أن تتبنى هذه الأعمال رأيا مؤيدا للنظام ولا حتى أن تنتقد الثورة، ولكن المطلوب هو تصدير صورة للرأي العام بأن سوريا تعيش  وضعا عاديا لا ثورة فيها ولا شهداء، ولا دماء تراق على الأرض.

وآخر أسلحة النظام السوري التي قرر إشهارها هي الأفلام السينمائية، وفي هذا السياق حاولت الأجهزة التابعة لهذا النظام أن تخترق عددا من المهرجانات السينمائية العربية.

لا أتصورها صدفة أن يرسل فيلم "العاشق" الذي أنتجته مؤسسة السينما السورية لكل من مهرجاني القاهرة ودبي وأن تزداد الجرعة في مهرجان دبي بفيلمي "مريم" و"صديقي الأخير" بحجة أن هذه سينما وإبداع وأن الثقافة تعلو على السياسة. برغم أن الأمر منذ اندلاع ثورات الربيع أسقط تماما هذا الخط الفاصل بين الثقافي والسياسي.

ظل مهرجان القاهرة حتى قبل افتتاحه بأيام قليلة يرسل إلى وسائل الإعلام الأخبار التي تؤكد على أنه سوف يستقبل فيلم "العاشق" من إخراج عبد اللطيف عبد الحميد، وهو أكثر المخرجين السوريين قربا من النظام خلال العقدين الماضيين.

وفي حين فتحت أبواب المؤسسة السورية العامة للسينما في وجه عبد الحميد ظل أغلب المخرجين  الآخرين خارج حساب الدولة بينهم محمد ملص وأسامة محمد ونبيل المالح ومأمون البني والراحل عمر أميرلاي. هؤلاء وغيرهم كانوا خارج الأجندة الرسمية، وينظر إليهم باعتبارهم من المشاغبين الخارجين عن السرب.

النظام السوري كان حريصا على أن تصبح المؤسسة العامة للسينما -التي تضم القسط الوافر من الفنانين- هي القوة التي يلجأ إليها للسيطرة على المثقفين حتى يضبطوا موجاتهم الفكرية تماما على إيقاع السلطة، لكن الثورة جاءت لكي تعيد الأمور إلى مسارها الطبيعي وليعلو الصوت الرافض وتبدأ المهرجانات في الحفاوة بالأفلام والفنانين الغاضبين.

حسابات سياسية
من البديهي أن فنانا كبيرا مثل دريد لحام والذي كان هو الاسم الأول الذي تتم دعوته إلى المهرجانات العربية يختفي تماما منذ قيام الثورة السورية، ولا نراه في القاهرة ولا في دبي أو الدوحة أو أبوظبي أو وهران. أليس هذا الموقف يعتبر انتقاء لأسباب ثورية؟

لحام فنان له رصيده الفني والجماهيري، ولكنه واحد من أذرع النظام منذ الأسد الأب إلى الابن وعندما قامت الثورة السورية كان من الممكن أن يغير موقفه المؤيد والداعم  للنظام، لكن أقصى ما فعله هو المطالبة بالإصلاح تحت راية نظام الأسد في بيان شهير أصدره مع عدد من الفنانين بعد الثورة لامتصاص الغضب، ولكن رفضه الثوار وقتها واعتبروا من وقعوا عليه خونة للثورة.

كل المهرجانات الكبرى مثل فينسيا وبرلين سارت على نفس الدرب في استقبال الأفلام المؤيدة للثورة خاصة السورية، كما أن كل مهرجانات الخليج دائما ما تختار في فعالياتها فقط الأفلام التي ناصرت الثورة، ولا تستضيف في لجان تحكيمها أو الندوات والتكريمات سوى الفنانين المؤيدين للثورة.

ولم يكتف مهرجان "الكاميرا العربية في روتردام" بعرض الأفلام الثورية، ولكنه أطلق على جوائز المهرجان اسم "الشعب يريد" وهو أشهر نداء سياسي ارتبط بثورات الربيع العربي منذ ترديده في تونس، وأطلق عل الجائزة الكبرى اسم المخرج الراحل باسل شحادة، ومنحها له، كما ترأس لجنة تحكيمه المخرج أسامة محمد المغضوب عليه من النظام السوري لأنه انحاز منذ اللحظات الأولى إلى سوريا الثورة.

كانت المهرجانات في العالم كله مع بدايات ثورات الربيع العربي تخضع لحسابات سياسية، "كان" و"برلين" و"فينسيا" عرضت فقط الأفلام التي تنحاز للثورة في مصر وتونس وليبيا وسوريا واليمن، ولم تعرض أي فيلم محايد.

في حين أن العالم كله يقدم مهرجانات فنية بطعم ونكهة ثورات الربيع العربي فالأولى بالمهرجانات العربية أن تفعل ذلك

ظرف استثنائي
يصبح الحياد أحيانا جريمة، فلا يمكن لأحد بدعوى الحياد أن يقف على نفس المسافة بين القاتل والمقتول، فلماذا يقول البعض الآن لا للسياسة في الفن وكل المهرجانات في تلك اللحظات الفارقة تخضع برامجها وأفلامها لحسابات سياسية.

في أول دورة لمهرجان كان السينمائي أقيمت في أعقاب ثورات الربيع العربي عرض لمصر فيلما "18 يوما" و"صرخة نملة" ولتونس "لا خوف بعد اليوم" والحقيقة أن الأفلام الثلاثة لا تستطيع أن تعتبرها وبكثير من المجاملة سوى إنها متوسطة القيمة، ولكن المغزى كان بالدرجة الأولى سياسيا.

وهكذا شاهدنا الاحتفال الضخم الذي أقامته إدراة المهرجان لتلك الأفلام، والذي عنى في الحقيقة نوعا من معاضدة لثورات الربيع، في هذا العام عرض "كان" في المسابقة الرسمية فيلم "بعد الموقعة" المقصود بها ما أطلقه الإعلام عليها موقعة الجمل. والفيلم أيضا يعد متوسط القيمة فنيا وجاء اختياره بناء على الموقف السياسي الذي يقدمه المخرج.

إنها السياسة عندما تفرض إيقاعها على كل جوانب الحياة. البعض يقول كيف نحاسب مخرجا على موقف سياسي، فالمفروض أن نتجاوز الموقف السياسي وننظر فقط إلى قيمة العمل الفني، وفي نظري أنه من الممكن التعامل مع هذا الأمر ببعض المرونة بعد نجاح الثورة، ولكننا بعد عشرين شهرا لا تزال الفصول الدموية من الثورة السورية مستمرة ولا يزال النظام يقتل شعبه.

إنه ظرف استثنائي تعيشه الثورة السورية، والاهتمام بسينما الثورة بقطع النظر عن قيمتها الفنية أيضا قرار استثنائي. وفي حين أن العالم كله يقدم مهرجانات فنية بطعم ونكهة ثورات الربيع العربي فالأولى بالمهرجانات العربية أن تفعل ذلك.
______________
كاتب وناقد فني مصري

المصدر : الجزيرة