أمجد ناصر
 
قد أكون الوحيد من بين أعضاء لجان تحكيم جائزة بوكر العربية الذي كتب مرارا عن الجائزة قبل أن يكون عضوا في إحدى لجان تحكيمها (دورة عام 2010) وبعد تجربته فيها، سواء تعلق أمر تلك الكتابة بالأسئلة التي طرحتها الجائزة على المنجز الروائي العربي (قبل أن أكون عضوا) أم بآليات الجائزة وطريقة عملها وكيفية اختياراتها بعدما انتهت علاقتي المباشرة بها التي استمرت، كأي عضو لجنة تحكيم آخر، عاما كاملا.

لماذا؟ لأني على الأرجح، الوحيد بين أعضاء لجان التحكيم المتعاقبة الذي يعمل في الصحافة اليومية ويدير قسما ثقافيا في صحيفة عربية يومية وله زاوية صحافية ثابتة، الأمر الذي يرتب علي الكتابة في شؤون وأحداث ثقافية عربية على نحو متواصل.

وأحسب أن قوائم "بوكر" الطويلة والقصيرة كانت تشغل حيزا لا بأس به من الاهتمام في الأوساط الثقافية العربية عند إعلانها، إلى أن غطّت أحداث "الربيع العربي" السلمية منها والدامية على أي اهتمام آخر.

على المراقبين والمثقفين والقراء أن يطرحوا من أذهانهم حكاية "التمثيل العربي" في الاختيارات، لأن ذلك ليس شرطا من شروط الجائزة ولا قانونا من قوانينها ولا عرفا من أعرافها

توقفت من قبل عند موضوع "التمثيل العربي" في الجائزة، وقلت إن الجائزة ليست جامعة عربية أو أحد فروعها، كي يُراعى "التمثيل العربي" فيها. وبما أننا لم نقف -نحن أعضاء هيئة تحكيم عام 2010- أمام أي شكل من أشكال "التمثيل" سواء على مستوى الجنسية أو العمر أو الجنس (ذكر، أنثى)، ولم نُسْأل، أو نُراجع، من قبل المشرفين على الجائزة عن شيء من ذلك، فأحسب أن الأمر هو هكذا دائما، وإن حصل العكس فذلك مردود على الأعضاء أنفسهم ولا علاقة له بـ"قانون" الجائزة أو شروطها.

هكذا، على المراقبين والمثقفين والقراء أن يطرحوا من أذهانهم حكاية "التمثيل العربي" في الاختيارات، لأن ذلك ليس شرطا من شروط الجائزة ولا قانونا من قوانينها ولا عرفا من أعرافها. ولكن بما أن الجائزة عربية وليست قُطْرية (مثل جوائز الدولة العربية التي تمنح عادة لأبناء الدولة المعنية) فإن الذهن ينصرف إلى وجود نوع من التمثيل العربي.

لذلك تسمع كل مرة تعابير من نوع: غياب الجزائر أو العراق أو تونس أو فلسطين (أو غيرها من الدول)، عن قائمتي الجائزة! أو تسمع كلاما عن توازنات بين المشرق والمغرب في الاختيارات مع التأكيد -غالبا- على "ضرورة" التمثيل الخليجي بسبب تمويلها الإماراتي!

الواقع أن الغائب أو الحاضر هو الروايات المكتوبة بأقلام أبناء وبنات من تلك الدول وليس غيابا، أو حضورا للدول نفسها، لأن الأمر يتعلق أولا وآخرا بإنتاج إبداعي اسمه الرواية. ثم إن "الغائب" في عام قد يكون حاضرا في عام آخر.

فقد يحدث أن لا يكون هناك نتاج روائي في عام معين ومن دولة بعينها يرقى في نظر أعضاء لجنة التحكيم إلى حد إدراجه في القائمة الطويلة، ثم تجد في العام الذي يليه ثلاث أو أربع روايات من تلك الدولة مدرجة في القائمة الطويلة. وإلا كيف نفسر في الدورة الحالية وجود أربع روايات في القائمة الطويلة من لبنان وحده، وهو بلد معروف بشعره ربما أكثر من روايته، "متفوقا" بذلك على مصر أم الرواية؟

ثم كيف نفسر أن بلدين عربيين كبيرين منتجين للرواية ليسا على قائمة هذا العام هما: سورية والمغرب؟ من دون أن ننسى "الغياب" شبه الدائم لبلد كبير وعريق هو السودان عن قوائم الدورات السابقة!

هل يعكس هذا الأمر تمثيلا؟ كلا بالتأكيد. إنه على النقيض انعدامٌ للتمثيل مثلما هو انعدامٌ للدلالة.
إذ لا يكفي أن نعرف بوجود نتاج روائي مغربي (على سبيل المثال) هذا العام كي ينعكس في القائمة الطويلة للجائزة. فربما لم تُرَشّح دور النشر التي صدرت عنها روايات مغربية هذه الروايات. وربما رشحتها ولكن لجنة التحكيم لم تجدها جديرة بأن تكون في قائمتها الطويلة.

الجودة أمر نسبي، وبقدر ما تتعلق بلغة الرواية وتماسك بنيتها وقدرتها على التعبير سرديا عن الموضوع الذي تتصدى له؛ تتعلق -أيضا- بذوق المحكمين وانحيازاتهم الأدبية

ويقودنا هذا إلى "المعايير" التي يستند إليها أعضاء لجنة التحكيم في اختياراتهم ودفاعهم عن تلك الاختيارات. ومن خبرتي في التحكيم بجائزة "بوكر" وغيرها من الجوائز الأدبية العربية، أقول إنه لا وجود لمسطرة يقاس بها الإبداع الأدبي أو الفني، إذ لا وجود لمعايير ثابتة وقاطعة للحكم على الأعمال الإبداعية سواء كانت شعرية أم روائية أم تشكيلية، خصوصا بعدما انفتحت الأشكال الأدبية (والفنية) بعضها على بعض، ولم تعد هناك أسوار صينية تفصل بينها حتى على مستوى النوع. 

المعيار الوحيد هو الجودة. بيد أن هذه الجودة ليست تركيبة كيمائية من عناصر واضحة ومقدّرة بمقدار. فالجودة أمر نسبي، وبقدر ما تتعلق (في حال الرواية) بلغة الرواية وتماسك بنيتها (أيا كان شكل هذه البنية) وقدرتها على التعبير سرديا عن الموضوع الذي تتصدى له (بصرف النظر عن الموضوع)؛ بقدر ما تتعلق -أيضا- بذوق المحكمين وانحيازاتهم الأدبية.

غير أن أمر الذوق لا ينبغي أن يكون مطلقا. فالذائقة -كما نعرف- ليست محض مزاجية، بل مكوَّنة مما هو معرفي ونقدي. ولا يمكن أن تصل نسبية الذوق -بل وتباينه- إلى حد عدم إدراج رواية في القائمة الطويلة لجائزة "بوكر" (16 رواية)، وفوز هذه الرواية بالذات بجائزة أخرى لا تقل أهمية عنها!

أضرب مثلا هنا برواية الكاتب المصري عزت القمحاوي المميزة "بيت الديب" التي رشحتها دار الآداب لدورة العام الماضي، ولكن لجنة "بوكر" التي ترأسها المفكر السوري جورج طرابيشي لم تجدها أهلا للقائمة الطويلة، ففازت هذا العام بجائزة نجيب محفوظ التي تمنحها الجامعة الأميركية في القاهرة والتي تضمنُ مثل "بوكر" (بل سبقتها في هذا المجال) ترجمة الروايات الفائزة إلى الإنجليزية، وربما إلى لغات أوروبية أخرى!

الفارق هنا ليس ذوقيا مرسلا على عواهنه بل هو فارق -في رأيي- في المستوى المعرفي والنقدي بين لجنتي التحكيم الأولى التي لم تلحظ وجودها والثانية التي وجدتها جديرة بالجائزة بلا منازع!

لن أعلق على القائمة الطويلة لجائزة "بوكر" هذا العام، فأنا لم أقرأ كل تلك الأعمال بل إني لم أسمع للأسف ببعض أولئك الروائيين، ولا بد أن ذلك تقصير مني وإن كنت أستغرب من جهة أخرى وصول بعض الأعمال إلى القائمة الطويلة، فهي أقل -حسب ظني- من أن ترشح لجائزة مدارس ثانوية!

بيان لجنة جائزة البوكر لم يشر إلى "درجة" نضج موضوع "الربيع العربي"، فهل ينبغي يا ترى أن يسفر الصراع في كل من تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا عن وجه واضح ومستقر سياسيا واجتماعيا؛ حتى يكون بالإمكان الخوض فيه روائيا؟

لكن ما لفت نظري في بيان لجنة التحكيم الصادر مع إعلان القائمة الطويلة قوله: "وبينما طغى الربيع العربي على الروايات المقدمة من الناشرين لجائزة هذا العام، لاحظ النقاد أن الموضوع يحتاج إلى بعض من الوقت للنضج"!

أدهشني ما توصلت إليه لجنة تحكيم هذا العام (غير المعلنة حتى الآن) في ما يخص روايات "الربيع العربي"، فهي لم تقل إن الروايات المقدمة من الناشرين لم تكن بالمستوى المطلوب، أو ليست ناضجة، بل غير الناضج هو الموضوع! إنه يحتاج إلى "بعض الوقت" لينضج! وهذا فهم غريب بعض الشيء لعلاقة الرواية بموضوعها من جهة وعلاقتها بالزمن من جهة أخرى.

فالرواية عليها أن تنتظر "نضج" الموضوع كي تتناوله! لكن بيان اللجنة لم يشر إلى "درجة" نضج موضوع "الربيع العربي". هل ينبغي يا ترى، أن يسفر الصراع في كل من تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا عن وجه واضح ومستقر سياسيا واجتماعيا، حتى يكون بالإمكان الخوض فيه روائيا؟

ألا يمكن لحال البلبلة والحيرة والصراع وعدم الاستقرار أن تشكل موضوعات صالحة للكتابة الروائية؟ هل للأمر علاقة بالزمن مثلا؟ ولكن ألم نقرأ روايات تدور أحداثها في أربع وعشرين ساعة (يوليسس مثلا) وربما أقل؟ هذا عدا عن أن الزمن في الروية غير الزمن في الواقع، كما يقول بارغاس يوسا، حتى في أكثر الروايات واقعية، لأن زمن الرواية مغلق، له بداية ونهاية عكس انسياب الزمن في الواقع.

ربما خان التعبير بيان اللجنة. فالمقصود على الأرجح، هو عدم نضج الروايات المكتوبة عن "الربيع العربي" وليس "موضوع" الربيع العربي نفسه.
_______________
روائي وكاتب أردني

المصدر : الجزيرة