غلاف الترجمة الفرنسية لرواية خالد الخميسي بعنوان "سفينة نوح" (الجزيرة)
أنطوان جوكي-باريس
 
لم ينتظر الروائيون المصريون ثورة 25 يناير كي يفضحوا الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي البائس في بلدهم وحالة الفساد المتفشّية فيه، ولعل أفضل مثال على ذلك هو جهد الروائي خالد الخميسي في هذا الاتجاه.

فبعد رواية "تاكسي" (٢٠٠٨) التي تناول فيها الواقع المصري المرير عبر حوارات يجريها الراوي مع سائقي سيّارات الأجرة في القاهرة -وقد لقي هذا النص نجاحا كبيرا وتُرجم إلى لغاتٍ عديدة- أصدر الخميسي عام ٢٠٠٩ رواية "سفينة نوح" التي صدرت ترجمتها الفرنسية حديثا عن دار نشر "أكت سود" الباريسية، وتصوّر على أكمل وجه عملية هروب المصريين من وطنهم بسبب الواقع المذكور.

استحالة البقاء

شخصيات رواية "سفينة نوح" تمثّل مختلف طبقات المجتمع المصري وتتقاطع أقدارها عند نقطة واحدة: الهجرة

واختيار الخميسي عنوان "سفينة نوح" لروايته ليس اعتباطيا، فإلى جانب استحضاره إلى أذهاننا صورة الطوفان الذي غمر اليابسة وقضى على الجنس البشري، يُشكل في الوقت ذاته استعارة قوية للقوارب البدائية التي يستقلها المهاجرون العرب والأفارقة للعبور إلى ضفة المتوسّط الغربية هربا من انسداد الأفق في بلدانهم ومن طوفان من نوع آخر هو اليأس الذي لا يستثني أحدا.

وعلى متن قوارب من هذا النوع، أو بوسائل أخرى، تسعى شخصيات الخميسي الرئيسية إلى الهروب من مصر قبل الثورة الأخيرة. وأول هذه الشخصيات هو المحامي الشاب أحمد عزّ الدين الذي يقرر السفر إلى الولايات المتحدة لعدم تمكّنه من دفع الرشوة الضرورية للعمل في مكتب المدّعي العام.

ومثل كثير من الشبّان المصريين، نجده يمضي وقته على شبكة الإنترنت باحثا عن امرأة غربية تقبل في الزواج منه للحصول على تأشيرة سفر. ولذلك، يتخلّى عن حبيبته هاجر التي لن تلبث أن ترضخ لمشيئة والدها فتقبل الزواج من رجل يملك مطعما في نيويورك وترحل للعيش معه هناك.

وفي هذا المطعم بالذات نتعرّف على الطبّاخ عبد اللطيف عوض الذي دخل إلى الولايات المتحدة بطريقة غير شرعية بعد رحلة لا تصدّق، اضطرّ فيها إلى عبور معظم دول أميركا اللاتينية قبل بلوغ مبتغاه، كما نتعرّف على رجل الأعمال المحتال طلعت ذهني الذي هرّب ثروته إلى الخارج قبل أن ينتقل إلى نيويورك ويوظّف عبد اللطيف طبّاخا في منزله.

وعلى مرّ الصفحات، تتوالى الشخصيات الأخرى للرواية: الشاب فريد، ابن طلعت ذهني، الذي يعيش حياة رفاهية وانحلال في لندن. أستاذ الفلسفة في الجامعة البريطانية التي يدرس فيها فريد، مرتضى البارودي وقريبه الأستاذ ياسين البارودي الذي يفشل في مغادرة مصر ويشاهد بأمّ عينه غرق عدد من المهاجرين الذين برفقته خلال محاولة عبورهم إلى إيطاليا على متن قاربٍ بدائي. الطبيبة القبطية نيفين عدلي التي يقصدها ياسين قبل سفره لبيع إحدى كليتيه وتقرّر بدورها الرحيل بعد عملية اعتداء عليها. المومس سناء مهران والشاب الأسواني حسّونة صبري وغيرهم.

باختصار، شخصيات تمثّل مختلف طبقات المجتمع المصري وتتقاطع أقدارها عند نقطة واحدة: الهجرة. ومع أن الظروف التي تحثّها على الرحيل تختلف من شخصية إلى أخرى، إلا أن جميعها يتقاسم شعورا واحدا باستحالة البقاء في بلد لا تتوفّر فيه أي فرصة للعيش الكريم.

أحلام مصادرة

أكثر ما يشدّ في النصّ هو الطريقة التي اعتمدها الكاتب لرواية قصص شخصيّاته، والتي ترتكز على عملية سرد دائرية الشكل تنبثق فيها كل قصّة من القصّة التي تسبقها، لنبلغ في نهاية المطاف القصّة الأولى
لكن هذا لا يعني أن كلا منها ينعم بالفرص والإمكانات نفسها للرحيل. فبينما لا يتطلّب ذلك من الشخصيات الثرية سوى ملء ملف في إحدى القنصليات الأجنبية وشراء بطاقة سفر، تُضطرّ الشخصيات الفقيرة إلى بيع ممتلكات أهلها ومواجهة مخاطر جمّة، وأحيانا بيع أحد أعضاء جسدها أو حتى جسدها كاملا كي تتمكن من بلوغ "فردوس" الغرب، هذا إذا لم تفشل تفشل في تحقيق أمنيتها، على رغم جميع مناوراتها، فتعود أدراجها خائبة أو تُسجن أو حتى تموت غرقا أو رميا بالرصاص.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الخميسي لا يعالج تقاسُم جميع هذه الشخصيات حلم السفر من باب الخيانة للوطن الأم بل من زاوية انعدام أي حل آخر أمامها، وبالتالي من منطلق حقّها في البحث عن حرّية وظروف حياة أفضل.

وفي هذا السياق، يروي لنا بدقّة وبساطة مؤثّرتَين حياة وأحلام هذه الشخصيات، مستحضرا جميع العناصر الاجتماعية والنفسية الخاصة بكل منها التي تساعدنا على فهم خيارها. وهو ما يجعلنا نتآلف معها إلى حد نشعر به أننا سبق والتقينا بها أو عرفناها، هذا حين لا تشكل إحداها مرآة لنا.

ولا عجب في ذلك، فهذه الشخصيات وإن كانت خرافية فإن قصصها وأحلامها مستوحاة مباشرة من الحياة اليومية للمصريين والعرب عموما. ومن خلالها، ينكشف لنا مجتمعٌ على وشك الانفجار من جرّاء الفساد والقمع السياسي والبؤس، الأمر الذي يمنح نصّ الخميسي طابعا تنبؤيا أكيداً على ضوء الأحداث التي تشهدها مصر والعالم العربي منذ عامَين.

لكن أكثر ما يشدّنا في هذا النصّ هو الطريقة التي اعتمدها الكاتب لرواية قصص شخصيّاته، والتي ترتكز على عملية سرد دائرية الشكل تنبثق فيها كل قصّة من القصّة التي تسبقها لنبلغ في نهاية المطاف القصّة الأولى.

وفي ذلك استحضارٌ لأدب المقامات ولكن أيضا لأسلوب الحكايات العربية الكلاسيكية. غير أن الرواية تُقرأ أيضا كسلسلة قصص مستقلّة لا يربطها سوى تشكيلها تنويعات حول موضوع واحد وأسلوبها العذب الذي يقترب بفعاليّته وانسيابه من الفيلم الوثائقي.

المصدر : الجزيرة