جانب من فعاليات مؤتمر للنهوض باللغة العربية في قطر (الجزيرة)
عبد الرافع محمد
 
في زوايا منسية ونائية عن اللاقطات الإعلامية، انطوت ندوات وفعاليات على حاضريها في بقاع متناثرة من العالم، احتفاء باليوم العالمي للغة العربية، تطبيقا لقرار المجلس التنفيذي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) في الدورة التي انعقدت بين 3 و18 أكتوبر/تشرين الأول 2012 باعتماد 18 ديسمبر/كانون الأول من كل عام للاحتفاء بلغة الضاد.

وكانت اليونسكو أصدرت قرارا في 19 فبرير/شباط 2010 بتسمية أيام رسمية للاحتفال باللغات الست المعتمدة في الأمم المتحدة. وقد اختير يوم 18 ديسمبر/كانون الأول خاصة لأنه يصادف ذكرى صدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة (3190) باعتماد اللغة العربية لغة رسمية بالمنظمة عام 1973.

ويتحدث اللغة العربية 430 مليونا داخل الوطن العربي وخارجه، ولكن العرب يعانون قلقا وهواجس بشأن مستقبل لغتهم وهي جامعتهم وأهم محاور وحدتهم، إذ يكاشفهم الواقع غالبا بأن العربية في حالة تراجع لا تمدد وانحسار لا انتشار، وهي حالة شك وإحباط إذا قورنت بحال لغة الضاد في عصور سابقة أو بلغات أخرى في هذا العصر خاصة لغات الأمم المتحدة الخمس الأخرى.

تواصل العرب مع الأمم الأخرى يتزايد بما يؤثر على قدرة اللغة العربية على المنافسة في الانتشار  والفعالية في التبادل ومعادلة التأثير والتأثر، خاصة في ظل ضعف المنجز العلمي والفكري والثقافي للناطقين بلغة الضاد

جهود وتشريعات
ويتزايد تواصل العرب مع الأمم الأخرى بما يؤثر على قدرة اللغة العربية على المنافسة في الانتشار والمقاومة والفعالية في التبادل ومعادلة التأثير والتأثر، خاصة في ظل ضعف المنجز العلمي والفكري والثقافي للناطقين بلغة الضاد، فتتنادى المؤتمرات والفعاليات الثقافية مطالبة بإجراءات حماية ودعم للغة العرب.

وتزايدت الحلول والجهود وتنوعت في العقود الأخيرة لحماية اللغة العربية والنهوض بمستوى الأداء بها خاصة في دول حكمتها أنظمة ترفع شعارات قومية وعروبية.

ففي العراق صدر التشريع (64) في العام 1977 وسمي قانون الحفاظ على سلامة اللغة العربية في 13 فقرة تتضمن تدابير شاملة تهدف إلى الإغراء باستعمال العربية وضبطها وإلزام المؤسسات باستخدامها على شرط الدقة والسلامة والتحذير من استبدال لغة أخرى منها في أسماء المحلات والعلامات التجارية.

ويخص القانون المؤسسات التعليمية ومؤسسات الإعلام والنشر والطباعة بمزيد تأكيد وحزم في التعامل مع اللغة والتوجيه إلى ضرورة الالتزام بفصحى العربية.

وفي سوريا صدر القرار رقم (604) عام 2009، وتتعامل المادة الأولى منه بكل حزم مع تسمية أسماء المحلات بأسماء غير عربية بعقوبات تصل إلى الإغلاق التام في حالة عدم الاستجابة، وتقوم على تنفيذ هذا القرار وما ماثله لجنة تسمى "اللجنة الفرعية لتمكين اللغة العربية".

كما أصدرت الجزائر قانون تعميم استعمال اللغة العربية عام 1990. وكذلك صدرت قوانين مماثلة لرعاية اللغة العربية ودعمها خاصة في المؤسسات التعليمية في السعودية وفي السودان عام 2001 والأردن عام 2001 وعمان عام 1999 واليمن 1995.

وفي مصر يخرج نص المادة (12) من الدستور الجديد الذي أقر أواخر العام 2012 "تحمي الدولة المقومات الثقافية والحضارية واللغوية للمجتمع، وتعمل على تعريب التعليم والعلوم والمعارف". وتنص المادة (60) على أن اللغة العربية مادة أساسية في مراحل التعليم المختلفة بكل المؤسسات التعليمية".

وفي تونس أسس عام 1983 بيت الحكمة أو المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، ومن أهدافه المساهمة بالتنسيق مع المؤسسات الشبيهة في إثراء اللغة العربية والسهر على سلامة استعمالها وتجميع قدراتها وتطويرها، لكي تواكب مختلف العلوم والفنون. لتتشابه أهداف بيت الحكمة ما أنشأت لأجله مجامع اللغة العربية، في دمشق (1919) وفي الأردن (1924) وفي القاهرة (1932) والمجمع العلمي ببغداد (1947).

وفي العام 2007 تأسس المجلس الدولي للغة العربية مؤسسة أهلية دولية مستقلة بدعم وزراء التربية والتعليم العالي ورؤساء الجامعات في الدول العربية وجامعة الدول العربية والمؤتمر الإسلامي ورابطة العالم الإسلامي ومجلس التعاون لدول الخليج العربية.

الجهود المبذولة  صالحة للتعامل مع وسائل النشر التقليدية ومواجهة تحديات تلاقي اللغة العربية مع اللغات الأخرى في محافل يمكن ملاحظتها واحتواء مخاطرها، ولكن تصعب المهمة مع تمدد التأثير والاكتساح الشامل لوسائل ووسائط التواصل

مخاوف المستقبل
تشريعات ومجامع وجمعيات ومؤتمرات، لكنها تبدو محصورة في أهداف تتعلق بحماية اللغة العربية وحفظها ودعم قدرتها على مواجهة الأخطار، ولم تتوسل اثنتان وعشرون دولة بأساليب القوى الناعمة ومفرداتها المتاحة في نشر هذه اللغة، خاصة مع توفر محيط إسلامي واسع يمثل أفق انتشار وتمدد. لتبقى جهود تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها ضعيفة غير مؤثرة مع إقبال ما يزيد على 1.5 مليار مسلم في تحفز لتلقي لغة القرآن الكريم.

كما لم تمنع هذه الجهود أن تنتشر اللغة الإنجليزية في أنشطة السياحة والاقتصاد والتقنية في مصر، وفيهما وفي المعاملات اليومية بيعا وشراء في دول الخليج العربي، وفي كل ما سبق وفي صيغ العقود والمكاتبات الرسمية شاعت الفرنسية في بلاد المغرب العربي.

كما أحدثت الفجوة بين وسائل الإعلام والمجامع اللغوية أثرا سيئا في لغة الصحفيين والمذيعين، وأهملت وسائل إعلام كثيرة وظيفة المراجع اللغوي بما أخرج منها أداء رديئا للغة، وتعمدت وسائل إعلام استخدام لهجة عامية محلية تشيع فيها ألفاظ غير عربية في النص العربي.

كما يلاحظ على هذه الجهود أنها صالحة للتعامل مع وسائل النشر التقليدية ومواجهة تحديات تلاقي اللغة العربية مع اللغات الأخرى في محافل يمكن ملاحظتها واحتواء مخاطرها، ولكن تصعب المهمة مع تمدد التأثير والاكتساح الشامل لوسائل ووسائط التواصل ودخول خدمات الشبكة العنكبوتية لكل بيت عربي، وظهور جيل جديد ينشط وعيه في نموذج الكائن العولمي المنفتح على كل الثقافات والخيارات اللغوية.

ويترك ذلك واقع الأمة وضميرها أمام أسئلة حائرة وحالة من الشك والترقب، ولا ينتظر الوقت طرح الإجابات ونضج الحلول، إذ تبدو مفردات وحروف اللغة الإنجليزية تسيطر على الخطاب اليومي للشباب وتكتب بها كلمات غريبة على اللسان العربي، وأخرى منه ولكنها قد طمست خصائصها وشخصيتها وبدا ذوبانها في اللغة الإنجليزية، بما يحتم إعلان نداء قوي ونذير عام يسمع في كل بلاد العرب من أجل حماية أساس قوميتهم وجمعيتهم من الانهيار والاندثار.

المصدر : الجزيرة