غلاف رواية "عجائب بغداد" (الجزيرة)
علاء يوسف-بغداد

تبدأ رواية "عجائب بغداد" للروائي والقاص العراقي وارد بدر السالم بحادثة مقتل الصحفية أطوار بهجت في تفجير مرقد الإمامين في سامراء سنة 2006 لينطلق الراوي في تتبع الأحداث الموجعة  ببلاد الرافدين، ويرسم لوحة قاتمة لتاريخ العراق المعاصر، وليرى التشتت والاغتراب والهوية  المأزومة حتى في ثلاجة الموتى، كما في أحد فصول الرواية.

يقول بطل الرواية، وهو صحفي عراقي يعمل بمجلة نسائية في دبي -حيث ولد وعاش- وكلف بالتوجه للعراق لتغطية أحداث بلاده "عدت من دبي بعد مقتل أطوار بهجت"، ليكون مقتل الصحفية العراقية المشهورة هنا مفتاح الأحداث ومنطلق الصحفي لكشف مآسي بلده الذي لم يعش فيه زمن الاحتلال والصراعات الطائفية.

وعودة الصحفي -هنا- تمثل رحلة مهنية لنقل واقع بغداد و"عجائبها" التي يكتشفها لاحقا ومن ورائها العراق، وهي أيضا رحلة بحث عن الجذور أو الهوية الضائعة لعراقي عاش في مدينة عصرية حالمة كدبي، كما للعراقيين داخل البلاد، حيث كثرت ظاهرة القتل على الهوية إلى أن ضاقت بالجثث ثلاجات المشارح ومياه دجلة أيضا، حين يصطف على ضفافه المئات بحثا عن بطاقة الهوية و-ليس الجثث- التي ينتشلها أحد الصيادين من قاع النهر.

في سياق سرده الروائي لأحداث ووقائع كثيرة تزدحم بها صفحات الرواية، ينتقد الروائي بشدة السياسيين الذين ارتضوا الانخراط في مشروع احتلال العراق

موقف من الاحتلال
في جميع أحداث الرواية يلحظ القارئ حضورا لعمل الصحفيين، الذين ينقلون صورة الخراب والقتل والدماء التي تسيل كل يوم على أرض العراق، وفي التفاصيل هناك الكثير من الجرائم التي ارتكبت منذ بداية الغزو الأميركي للعراق عام 2003.

وفي بداية الرواية، يُبين وارد بدر السالم موقفه من الاحتلال الأميركي للعراق، مستشهدا بمقولة هتلر، الذي يجيب على سؤال: من هم الذين تكرههم أشد الكره؟ بقوله "أولئك الذين ساعدوني على احتلال بلدانهم".

وفي سياق سرده لأحداث ووقائع كثيرة تزدحم بها صفحات الرواية، ينتقد الروائي بشدة السياسيين الذين ارتضوا الانخراط في مشروع احتلال العراق، والبطل -الراوي- لم يتوقف عند حدود مهنته (كصحفي) بل يظل يرصد الأحداث العنفية والمؤلمة التي تعصف بالعراق وحياة العراقيين، ويرجع كل ذلك إلى الاحتلال الأميركي والسياسيين الجالسين في المنطقة الخضراء.

وينقل الصحفي عن زملاء له يعملون لوكالات وفضائيات كثيرة وينتشرون في بعض مناطق بغداد، وفي أغلب الأحيان يتحركون داخل ناقلات الجيش الأميركي (الهمر)، ويقدم صورتين متناقضيتين لما يجري في العراق، إذ يخبره مراسل كندي أنه شاهد صديقه، وهو صحفي أيضا يقدم حارث الضاري (رئيس هيئة علماء المسلمين في العراق) في ندوة بجامع أم القرى ببغداد عن المقاومة العراقية.

وفي المقابل يخبره مراسل قناة "سي إن إن" عن صورة مغايرة أخرى تحصل في بغداد، فهناك المقاومة في جامع أم القرى وفي الوقت نفسه، شاهد المراسل الأميركي سيارات عسكرية يمتطيها أفراد من مليشيا مجهولة وهي تختطف أجانب قرب ساحة الأندلس في قلب بغداد، وتمكن المراسل  -كما ينقل لبطل الرواية- من تصوير رتل المليشيات التي تختطف الأجانب.

يرسم الروائي لوحة مأساوية لتلك الهويات والنساء اللواتي يبحثن عن الأولاد والأزواج بين هذه الهويات الملتقطة من جثث استوعبتها مياه دجلة لتبرز قصة الموت المجاني في العراق ومأزق البحث عن الهوية المأزومة

الهوية وثلاجة الموتى
يفرد السالم مساحات واسعة في روايته للجثث المجهولة الهوية، التي يتم العثور عليها بعد اختطافها من البيوت والشوارع والأسواق. ووسط المنظر المفزع يذهب وزميلة له إلى ثلاجة "الجثث المجهولة" وتقول المراسلة الأجنبية ميريام "عدنا من ثلاجة الموتى، كان كل شيء بشعا، قتلى بلا هويات لكن القتل على الهوية، مفارقة مفزعة تجري تحت أنظار الاحتلال".

وفي فصل أخر من الرواية عنوانه "فاصلة للوثيقة" يكرر وصف الجثث، بقوله "كنت عائدا من ثلاجة الموتى بقلب مرتعد. لم أر جثثا مهانة بحياتي كما كانت اليوم، مشهد متصل بالفجيعة العراقية إلى أقصى حد في الطب العدلي".

وقبل أن يختتم أحداث الرواية، يعود الروائي إلى أطوار بهجت، وهنا يُذكر بما حصل في سجن أبو غريب، تلك الفضيحة التي دوت منتصف عام 2004، ويرسم صورة مكثفة لأحوال العراق، يقول "وهذه أطوار بهجت ميتة في سامراء، أطوار التي حفزت روحي الغريبة كي أكون هنا، وهنا الأبشع فضيحة أبو غريب التي كشفت بؤس الحكومة وضراوة الاحتلال، أجساد مهانة وعري مستباح وسياسيون ضعفاء ومنافقون".

وفي قرية عراقية بائسة، تشكلت بعد الغزو الأميركي على أطراف العاصمة، يلج الروائي عوالمها من خلال شخصية الأستاذ الجامعي الذي أسس هذه القرية من بيوت الصفيح، ومن بين معالم هذا المكان التي تتوافق والأوضاع المخيفة في العراق يتم اختيار أحد الجدران لوضع هويات أصحاب الجثث التي يلتقطها أحد الصيادين في نهر دجلة عليه، حيث تُرمى الكثير من الجثث المغدورة هناك.

ويرسم الروائي لوحة مأساوية لتلك الهويات والنساء اللواتي يبحثن عن الأولاد والأزواج بين هذه الهويات الملتقطة من جثث استوعبتها مياه دجلة لتبرز قصة الموت المجاني في العراق ومأزق البحث عن الهوية المأزومة، خاصة بعد أن قتل الصياد لتغرق "الهوية" أو الهويات مع جثته بمياه دجلة أو تظهر من جديد مع الصحفي الذي يبدو وكأنه التقط هويته أخيرا بين "عجائب بغداد".

المصدر : الجزيرة