أحد رسومات الغرافيتي بمدينة القصير بمحافظة حمص (الجزيرة)
طارق عبد الواحد
 
يحسب لفن الغرافيتي دوره المهم في اندلاع الثورة السورية، فقد كانت الرسوم التي يخطها شبان الثورة على الجدران في غفلة من أعين أجهزة الأمن فارقة في نشر الوعي الثوري واستنهاض الهمم والإبقاء على نبض الثورة قائما لدى أناس كانوا يلحظون بعيون وجلة حراكا سياسيا بدأت تباشيره على الجدران قبل الشوارع.
 
وإذا كان لهذا الفن بالذات بشكل عام حضوره المميز في مجمل الثورات العربية، فما يسجل للغرافيتي السوري ميزة إضافية، إذ يمكن القول إن الثورة السورية بدأت بنشاطات غرافيتي سجلها تلاميذ مدارس بمدينة درعا الذين خطوا شعارات تطالب بإسقاط نظام الأسد.
 
ويلاحظ المتابع للشأن السوري مدى انتشار هذه الأنشطة التعبيرية بمعظم المدن والقرى، ومواكبتها لتحولات الثورة، حيث تتحول جدران البيوت والأسوار إلى منصات ومنابر للتعبير، لدرجة باتت فيها بعض المدن والقرى كأنها معارض مفتوحة وواسعة، كما هو الحال بمدينة سراقب بمحافظة إدلب.

الرجل البخاخ
أحد رسومات الغرافيتي بمدينة سراقب (الجزيرة)
ويقول أحد ناشطي الغرافيتي من مدينة سراقب "إن ما بات يعرف في سوريا بظاهرة الرجل البخاخ، وأنشطة الكتابة على الجدران عموما، ليست بالظاهرة المستحدثة والطارئة، فقد كانت موجودة قبل اندلاع الثورة، لكن هذا النوع من الأنشطة شهد حضورا كثيفا ونضجا فنيا بعد انطلاق الثورة  على مستوى المضامين وأشكال التعبير، فضلا عن أنه استطاع مواكبة تطورات الثورة ويومياتها".
 
ويلفت الناشط في حديث مع الجزيرة نت إلى وجود عدة مجموعات من الناشطين العاملين بهذا المجال بالمدينة، ولكنهم جميعا يفضلون عدم الإفصاح عن هوياتهم لا بسبب الخوف من أجهزة النظام الذي ولى زمنه وإنما وفاء "لقدسية الرجل البخاخ الذي اعتاد الناس أن يكون شخصا مجهولا".
 
ويشير إلى احتفاء أهالي المدينة بتلك الأعمال، إذ "لاقت تلك الكتابات والجداريات الكثير من الدعم والتشجيع والثناء من قبل الأهالي، وفي كثير من الأحيان تشاهد من يصطحب أفرادا من عائلته لمتابعة تلك الكتابات والتقاط الصور بجانبها، وسوف تجد أطفالا يطلبون منك الرسم على جدران بيوتهم، أو أناسا عاديين يقترحون علينا رسم أو كتابة أشياء معينة مما يدور في خواطرهم وأفكارهم".

وأنشأ ناشطون من المدينة صفحة على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" باسم "حيطان سراقب" لنشر لوحات الغرافيتي "لكي لا تبقى حبيسة حيزها الجغرافي، ولإيصال رسائلها إلى أكبر قدر ممكن من الناس وأيضا لتعميم هذه الفكرة على بقية المدن السورية" وفق ما أفاد أحد المشرفين على الصفحة.

من ناحيته، وصف الناشط الحقوقي مصطفى حايد غرافيتي الثورة السورية بأنه أحد أهم الأشكال الفنية في الثورة بما ينطوي عليه من تكتيك سلمي مميز للتعبير عن الرأي وكسر احتكار السلطة وتجاوز الرقابة الإلكترونية.

 تعبيرات ثورية مختلفة على أحد الجدران بمدينة سراقب (الجزيرة)

معارك غرافيتي
ويضيف حايد الذي يعمل مع مجموعة من الشباب على مشروع يسمى "مشروع دولتي" الذي يهتم بأرشفة الأعمال الفنية المتعلقة بالثورة، أنه يمكن اعتبار الغرافيتي "بارومتر" الثورة "بل إنني شخصيا اعتبره "تويتر" الشارع السوري الذي يمدني بمؤشرات ومعطيات حول اهتمامات الناس وأولوياتهم وآرائهم بالتطورات السياسية وفرز القيادات.. وإسقاط بعضها..".

ويلفت الناشط السوري إلى تطور الغرافيتي منذ مارس/آذار 2011 "ففي البداية بدأ النشطاء باستخدام جمل جاهزة غير سورية ولكنهم لجؤوا فيما بعد إلى إبداع جملهم وأفكارهم الخاصة في الكتابات والتخطيطات والصور والجداريات، وقد أدرك الأمن السوري والشبيحة أهمية الغرافيتي وخطورته فانتقلوا من مسح وطمس الغرافيتي إلى تحويره واستخدامه أداة جديدة في التهديد والتخويف.

وأشار إلى وجود جدران شهدت صراعات ومعارك غرافيتي بين المتظاهرين ورجال الأمن والجيش، ولكن تلك "المعارك والصراعات" كانت أقل خطورة من توزيع المنشورات والتظاهر إلى أن" تم قنص الرجل البخاخ في حي كفرسوسة بدمشق في يونيو/حزيران 2011، ومنذ ذلك التاريخ أصبح الغرافيتي يشكل تهديدا للحياة، كالتظاهر" وفق ما قال حايد.

المصدر : الجزيرة