رواية فرنسية جديدة عن الثورة الجزائرية
آخر تحديث: 2012/12/20 الساعة 13:22 (مكة المكرمة) الموافق 1434/2/7 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2012/12/20 الساعة 13:22 (مكة المكرمة) الموافق 1434/2/7 هـ

رواية فرنسية جديدة عن الثورة الجزائرية

غلاف رواية "حظر التجول في أكتوبر" للفرنسي لانسلو هاملان (الجزيرة)
أنطوان جوكي-باريس
 
ليست الموهبة الروائية التي يتحلى بها الكاتب الفرنسي لانسلو هاملان الدافع الوحيد الذي يجعلنا نتوقّف عند روايته الأولى التي صدرت حديثا عن دار نشر غاليمار الباريسية تحت عنوان "حظر التجوّل في أكتوبر".
 
فعلى خلفية قصّة حب مستحيلة ومؤثّرة، ينجح هذا الكاتب في تسليط الضوء على بعض الأحداث المأساوية من حرب التحرير الجزائرية والتي وقعت بعض فصولها في باريس، وخاصة أحداث أكتوبر/تشرين الأول 1961 التي لم تعترف السلطات الفرنسية بحجمها حتى العام الماضي.

بطل الرواية شاب فرنسي يدعى أوكتافيو وُلد وترعرع في مدينة وهران الجزائرية قبل أن يغادر في صيف ١٩٥٥ إلى باريس لمتابعة دراسته الجامعية، تاركا خلفه بأسف كبير أحاسيس طفولته ووالديه وأخيه البكر وجارته جوديت التي تربطه بها قصة حب جميلة.

وبعد عام من سفره، يصله خبر زواج جوديت من أخيه، علما أنها لا تتقاسم أي شيء مع هذا الأخير الذي يظهر لنا منذ البداية مشبّعا بالعنصرية التي تشرّبها من والده، فينهار عالم أوكتافيو ويسعى إلى نسيان حبيبته عبر مرافقة صديقه دونيه إلى اجتماعات الحزب الشيوعي الفرنسي.

هذه الرواية تشدنا بجانبها الموثّق، ولكن أيضا بطريقة تشييدها على شكل رسالةٍ طويلة موجّهة من أوكتافيو إلى جوديت، مما يفسّر تشابُك الذكريات الحميمة فيها مع الأحداث التاريخية والسياسية

ظلال حرب
ومع أنه لم ينتظر تردّده على هذه الاجتماعات لاستنتاج جور الاستعمار الفرنسي في الجزائر، لكن ذلك سيدفع به تدريجيا إلى تبنّي سلوك راديكالي تجاه سياسة بلاده، فيوقف دراسته الجامعية ويقطع صلاته بعائلته ورفاقه الشيوعيين للنضال داخل شبكات الدعم السرّية لجبهة التحرير الوطني الجزائرية في باريس. وبعد فترة تدريب، تبعتها فترة امتحان لقدراته ووفائه، يبدأ أوكتافيو بنقل حقائب تتضمّن أسلحة ومتفجّرات لخلايا الجبهة المذكورة.

وللإفلات من الخدمة العسكرية -التي استُدعي لتأديتها وكانت ستقوده إلى محاربة أخوته الجزائريين- يختبئ أوكتافيو فترة من الزمن في أحد أحياء مدينة نانتير الفقيرة حيث تعيش جالية جزائرية كبيرة فيشارك أبناء هذه الجالية بؤسهم ويشاهد عمليات إذلالهم والتنكيل بهم وقتلهم على يد الشرطة الفرنسية.

لكن عناصر المأساة التي يرويها هاملان بأسلوب محموم لا تكتمل إلا حين ينتقل أخو أوكتافيو بدوره للعيش في باريس مع زوجته وينشط داخل "منظمة الجيش السرّي" اليمينية المتطرّفة. ففي أحد الأيام، يطرق أوكتافيو باب منزلهما للهروب من جحيم الصراع الدائر، مما يضع الثلاثة في وضعية مستحيلة تنتهي بموت أوكتافيو من جرّاء مرضٍ عضّال وبانتحار جوديت.

وتشدّنا هذه الرواية بجانبها الموثّق، وأيضا بطريقة تشييدها على شكل رسالة طويلة موجّهة من أوكتافيو إلى جوديت، مما يفسّر تشابُك الذكريات الحميمة فيها مع الأحداث التاريخية والسياسية المقارَبة، وبالتالي عدم احترامها التسلسل التاريخي لهذه الأحداث التي تغطّي الفترة الممتدّة من عام ١٩٥٥، تاريخ رحيل أوكتافيو إلى باريس، وحتى عام ١٩٦٢، تاريخ وفاته.

وتمنح بنية النص المتصدّعة على المستوى الزمني إيقاعا فريدا له يأسر قارءه ويتطلّب منه يقظة مستمرة، بدون أن يمنع هاملان من معالجة مواضيع جانبية كثيرة فيه، كالأخوّة وفقدان البراءة والالتزام العقائدي والخيانة وغيرها.

وتشدّنا الرواية أيضا بمسار كل شخصية من شخصياتها وبالعلاقات المعقّدة التي تجمعها، كما تفتننا مهارة هاملان داخلها في جدل أصوات هذه الشخصيات بطريقة تمنح نصّه طابع التراجيديا التي يتعذّر تجنّبها أو حلّها.

هاملان يفضح تناقُض مواقف الأحزاب اليسارية الفرنسية من الثورة الجزائرية آنذاك ويذكّر بأن الحزب الشيوعي الفرنسي قارن في بداية هذه الثورة رجالها "بالقتلة النازيين"

أمكان معتمة
لكن قيمة هذا النص تكمن أولا في إقدام هاملان فيه على كشف الأماكن المعتمة من تاريخ فرنسا الحديث معيدا كتابة الروايات الرسمية التي تركها الجنرال ديغول أو غيره من المسؤولين الفرنسيين لبعض الأحداث المأساوية التي حصلت في باريس خلال حرب الجزائر.

وفي هذا السياق، يتوقف عند قرار حظر التجوّل الذي فرضته الحكومة الفرنسية في أكتوبر/تشرين الأول ١٩٦١ على الجزائريين المقيمين في فرنسا وعند المجزرة التي سقط ضحيتها العديد من الجزائريين على يد الشرطة الفرنسية في باريس أثناء المظاهرة التي دعت إليها جبهة التحرير الوطني للاحتجاج على هذا القرار، وهي مجزرة تطلّب اعتراف السلطات الفرنسية بها نصف قرن من الزمن ومجيء فرنسوا هولاند إلى سدة الحكم.

وفي السياق نفسه، يصوّر هاملان في روايته عمليات القمع والتوقيف الاعتباطي التي تعرّض لها الجزائريون في باريس وضواحيها خلال الثورة الجزائرية، على يد الشرطة نفسها أو عناصر تابعة "لمنظمة الجيش السرّي" أو لتيارات يمينية متطرّفة، كوصفه الدقيق والمسهب للحيّ الجزائري في "نانتير" الذي اختبأ فيه أوكتافيو، بظروفه المعيشية المرعبة، أو لإحدى العمليات التي قادها أخو أوكتافيو وأفضت إلى قتل رجل جزائري بريء خنقا وإلى رميه في نهر السين.

ومن خلال الرسائل التي يبعثها دونيه إلى أوكتافيو من الجزائر، حيث كان يؤدّي خدمته العسكرية وفقاً لتعليمات الحزب الشيوعي، يفضح هاملان تناقُض مواقف الأحزاب اليسارية الفرنسية من الثورة الجزائرية آنذاك ويذكّر بأن الحزب الشيوعي الفرنسي قارن في بداية هذه الثورة رجالها "بالقتلة النازيين".

وفي الوقت ذاته، لا ينسى هاملان في روايته الإشارة إلى بعض انتهاكات جبهة التحرير الوطني غير المبرّرة ودموية بعض رجالاتها، بدون أن يقارن طبعا بين سلوك طرفَي النزاع.

المصدر : الجزيرة

التعليقات