القاص الغرباوي ينعى عالما جميلا
آخر تحديث: 2012/12/2 الساعة 14:01 (مكة المكرمة) الموافق 1434/1/19 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2012/12/2 الساعة 14:01 (مكة المكرمة) الموافق 1434/1/19 هـ

القاص الغرباوي ينعى عالما جميلا

غلاف كتاب الغرباوي "تحولات الأشياء والشخوص والأماكن" (الجزيرة)
إيراهيم الحجري-الدار البيضاء
 
يعتبر عبد الحميد الغرباوي من الكتاب المؤسسين لكتابة قصصية بهوية مغربية، وهو من الذين واصلوا النبش في جسد المحكي عقودا من الزمن، مواكبا التحولات التي تطول الأمكنة والأزمنة والشخوص، والتبدلات التي تسرق جمال العالم من حوله، معتمدا في ذلك على قدرته الكبيرة على استجداء الذاكرة ودفعها إلى البوح، وطاقاته القوية على الوصف والتشخيص.

ولعل مواكبته لمراحل التحول الاجتماعي والاقتصادي الذي عرفته البلاد ساعدته على اقتناص المنعطفات الحاسمة في هذا التحول من منظور كونه مثقفا ملتزما ساهم من قريب وبعيد في بلورة المشهد الثقافي، ورأى من الداخل المسوغات والمنغصات التي تغلغلت إلى صلب المشهد وأعادت صياغته.

وبعد أكثر من أربعة عقود من المشاركة والمساهمة الفعالتين، يصعد الغرباوي إلى الأعلى شيئا ما ليرى من الخارج ما لا يرى من الداخل، وليصف بلغة سردية ساخرة ومؤثرة تشوهات العالم الذي أحبه وعهد فيه الجمال، فلم يعد يرى فيه إلا القبح واللؤم والرداءة ومنه جاءت هذه الكتابات الشذرية البليغة التي سماها "تحولات الأشياء والشخوص والأماكن".

يعود الغرباوي إلى ذاكرته المعبأة بنظام متناسق من الأرشيفات المصففة لهاته التحولات، راصدا كيف كان الناس وكيف أصبحوا بسخرية بليغة فيها الكثير من الحنين إلى القيم الأصيلة

شخوص ممسوخة
يصف الغرباوي في نصه الجديد شخصيات مشوهة افتقدت آدميتها وخصوصياتها الأصيلة، وباتت تعيش عالمها بهويات ممسوخة وأقنعة مختلقة لا تمت للهوية الأصلية بصلة. فقد تخلى الإنسان عن قيمه التي تميزه عن باقي المخلوقات في الأرض، وراح يستجدي قيما أخرى يغلب عليها الطابع الحيواني، حيث تغلغلت المادية الفاحشة، وتحكمت في البشر الغرائز والشهوات، وصار الفرد عبدا للذاتية التي لا تنتهي.

يصف الكاتب هذا الانقلاب المريع للقيم البشرية قائلا: "في هذا الليل البارد/ عالم/ يستجدي الموت بعد اختراعه/ في هذا الليل البارد/ فقيه يضرب زوجته/ وجسم عار يتلوى أمام مرآة مكسورة/ وعينٌ قريبة تتلصص على بريق الشظايا/ في هذا الليل البارد/ عين حاسدة/ وباردة/ وأخرى عابدة وزاهدة/ وخامسة جاحدة".

يعود القاص المغربي إلى ذاكرته المعبأة بنظام متناسق من الأرشيفات المصففة لهذه التحولات، راصدا كيف كان الناس وكيف أصبحوا بسخرية بليغة فيها الكثير من الحنين إلى القيم الأصيلة التي كانت محط فخر لبني آدم ورأس ماله الرمزي. يقول في ذلك بحرقة: "يا الله!/ هنا، أقف وسط المدينة، قرب سينما فردانْ مذهولا../ هنا، كشك، كانَ../ ننزل إليه مشيا على الأقدام،/ لنشتري منه صور نجوم الهوليود والكمال الجسماني/ وممثلات الإغراء العاريات/ في مكانه، تنتصب حاوية أزبال ضخمة الآنَ...".

ولم يستثن من هذا التحول حتى الأموات، إذ يضيف: "دَستويفسكي حلق لحيته، وكذا ماركس فعلْ/ لينين تنكر لقطه وطرده/ نيوتن قضم تفاحته في تقزز وبات يشك في الجاذبية/ ونيتشه نتف شاربه/ وبونابرت ربى قططا جرباءْ".

يحكي الغرباوي بمرارة وأسى عن الذكريات التي انصرمت، والأزمنة التي جرفت معها السحنات الأليفة والأجواء الممتعة، دون أن يبين الأسباب، فهو يذكر الحالة والتحول بصيغة بالغة الاختصار على شاكلة القصة القصيرة جدا، تاركا للمتلقي فسحة التأمل وملء البياض، وتمطيط النصوص بما من شأنه أن يملأ الفراغات التي تشرح المحكي، مشيّدا خطابه السردي على المفارقة الصارخة والإيجاز المفرط، ومستمدا شكل تنظيم النصوص من قصيدة النثر.

يبدي الغرباوي امتعاضه من العالم بهاته الصورة الدرامية، مفضلا الانكماش حول ذاته بعيدا عن الأقنعة الماسخة التي يختبئ فيها الإنسان تحت ذريعة الحداثة وما شابه ذلك من مصطلحات مموهة وبراقة

أمكنة مضاعفة
تصير الأمكنة في هذا النص القصصي مضاعفة بحكم أنها تدل على المكان ونقيضه، أو بالأحرى تعطي وجهين للفضاء الواحد، ما كان عليه من قبل في ذاكرة الكاتب أو الراوي وما أصبح عليه الآن بعد تصاريف الزمن وتحول المشاهد.

الوضعية الأولى كانت محبذة لديه بحكم ارتباطها بلحظات وأوجه معينة، واقترانها بلحظات التوهج والفرح أو تلك الانتصارات الصغيرة. أما الوضعية الثانية للمكان فهي مذمومة بحكم التصاقها ببشاعة العالم وتردي القيم، واستياء الكاتب مما يعيشه ويراه في محيطه من تبدل القيم ومسخ للوجوه وسوء الحال.

يقول الغرباوي واصفا في تهكم يحمل رسائل سياسية غير خافية ما آلت إليه الأمكنة في المغرب وخارجه حتى: "موسكو عاهرة تقاعدت بعد البريسترويكا مباشرة/ وتتحدث بفخر عن طول قامتها/ وعن زبائنها متعددي الجنسيات الذين فاق عددهم المليار.

برج إيفيل، معطفه الشتوي صار أثقل من ثقيل بالوسخِ، والبق عشش في جسده/ شرب البق من صدإ حديده، حتى "تكرش وعاد بلا رقبة.

واشنطن، بيت أبيضُ يقطنه رجل، قبل أن تطأ قدماه عتبته سلّم مخه لتمثال "الحرية"/ ووُضع له في جمجمته مخٌّ يحمل خاتم سي آي أي/ لندن، مقود سيارة في/ غير مكانه.. أنظر إليها من خلال مرآة، كي لا تراها مقلوبة/ طوكيو، نادل روبوت يقدم وجبات خفيفة للزبائن/ على سطح أضخم ناطحة سحاب/ بيجين، حيوان خرافي يسكن نهر اليانغ تسي/ ويوزع على رأس كل ساعة آلاف الأطنان من الأرز على الجياع".

يبدي الغرباوي، في الأخير امتعاضه من هذا العالم بصورته الدرامية الحاضرة، مفضلا الانكماش حول ذاته، بعيدا عن الأقنعة الممسوخة التي يختبئ فيها الإنسان تحت ذريعة الحداثة وما شابه ذلك من مصطلحات مموهة وبراقة.

إنه بمثل هذه الكتابة، كأنما يعزي نفسه أولا والقارئ ثانيا في فقْد القيم الرفيعة، وفي انصرام العمر الجميل، فهو يقول متجرعا خيباته: "وأنا/ تعبتُ، وأعلم أنكم مثلي تعبتم/ تعبنا وتقوست ظهورنا من تهكم الأمم/ تعبتُ، تعبتْ والألم بداخلي يرجني حد الإحساس بالذبح.."

المصدر : الجزيرة

التعليقات