ندوة منتدى الرواد الكبار تحتفي بالروائي الأردني الراحل غالب هلسا

توفيق عابد-عمّان

يمثل الأردني غالب هلسا أحد الرموز الإبداعية العربية في مجال الرواية واعتبر شخصية ثقافية متعددة الإنجازات في مجالات القصة والنقد والترجمة والمقالة امتازت بحضور متميز ومساهمات إبداعية في مختلف العواصم العربية التي عاش وارتحل منها مجبرا كالقاهرة وبغداد وبيروت.

والأديب الراحل عاد إلى وطنه -بعد أن هجره مكرها منذ بداية خمسينيات القرن الماضي- داخل كفن عام 1989 ويحظى بتكريم زملائه في المشهد الثقافي منذ ذلك الحين.

ويصنف هلسا أنه كاتب واقعي يعتمد المدرسة الواقعية والمدارس الأخرى خاصة النفسية وينحاز دائما للحقيقة ويغوص في أعماق النفس البشرية ليكتشف تراكماتها وتجربتها وفق مفهومه الخاص للأخلاق القائم على الحرية.

كما يمثّل الجانب التقدمي في ثقافتنا العربية وعدّت كتاباته سيرة ذاتية على لسان شخصياته، فهو يميل للتحدث بتاء المتكلم. وامتاز بجرأته في طروحاته، لهذا لقّب بالمثقف المنظر أو المحارب، فقد غاص بروايته "الضحك" في أزمة المثقفين.

والمتابع لمشوار هلسا يكتشف تأثير بيئته الريفية حيث الناس البسطاء والطبيعة الجميلة. فقد ولد عام 1932 في قرية ماعين قرب مدينة مأدبا (60 كلم من العاصمة الأردنية عمّان) المعروفة بينابيعها وشلالاتها ومناظرها الخلابة وبدأ الكتابة في الرابع عشر من عمره لينتج سبع روايات هي "سلطانة" و"الروائيون" و"ثلاثة وجوه لبغداد" و"البكاء على الأطلال" و"الضحك" و"الهاربون من الحرية" و"اختيار النهاية الحزينة.. يوميات الصراع الطبقي في الساحة الفلسطينية في عقد الثمانينيات"، ومجموعتين قصصيتين هما "وديعة والقديسة ميلادة وآخرون" و"زنوج وبدو وفلاحون".

جانب من حضور الندوة

حضور ثقافي
وأثبت الروائي الأردني الراحل -الذي أقام بالقاهرة 25 سنة عقب تخرجه في الجامعة الأميركية وعمل في الترجمة الصحفية وكتابة القصة والرواية- حضوره أمام عمالقة الرواية في عاصمة الكنانة أو ما يطلق عليهم "حيتان الثقافة" لدرجة أن مثقفين تقدميين قالوا "غالب ده من عندنا" رغم أن البيئة المصرية كانت طاردة لكل ما هو غير مصري خاصة في الستينيات.

ويعود تعلق المصريين وتقديرهم لنتاجه الأدبي إلى دماثة أخلاقه وكرمه، فبيته مفتوح على الدوام ولنسجه علاقات نضالية وأدبية مع المثقفين المصريين ولموقفه السياسي الواضح ضد السلطة. فقد سجن وعذب مع كثيرين في عهد الحكم الناصري ووصفه أصدقاء عايشوه بأنه عربي بامتياز.

وعانى هلسا بحكم انتمائه للحزب الشيوعي من عذابات المعتقل والمنفى وسجن في أربع دول عربية، هي الأردن ومصر ولبنان والعراق، وقد طرده الرئيس الراحل أنور السادات عقب اتفاقية كامب ديفد وعاش في بغداد ثلاث سنوات ليطرد منها ويذهب إلى بيروت.

كلمة ورصاصة
وتعد العاصمة اللبنانية محطة مهمة في حياة هلسا حيث جمع بين الكلمة والرصاصة وربما أعادت ترتيب أولوياته، ففي العام 1976 حمل السلاح مع المقاومة الفلسطينية في خنادق القتال المتقدمة ضد إسرائيل وترحل مع المقاتلين الفلسطينيين إلى عدن وأخيرا حط رحاله في دمشق حتى وفاته بعد سبع سنوات.

وفي ندوة نظمها منتدى الرواد الكبار بعمّان مساء أمس الثلاثاء بعنوان "غالب هلسا.. مبدعا ومفكرا" أجاب الناقد محمد القواسمة على أسئلة أبرزها ما المرجعية التي تحكمت في مفهوم الأدب عند هلسا؟ وما علاقة الأديب بواقعه وما دور التجربة في العملية الأدبية؟

ورأى أن الفلسفة الماركسية شكلت مرجعيته الرئيسة في طموحه لبناء المجتمع الديمقراطي الحر لتغدو الكتابة عنده مجرد استكشاف لخيبة الأمل المتولدة من المقارنة بين المثال والواقع، ووصفه بأنه كاتب واقعي يعتمد الفكر الماركسي لكنه ليس مثقفا ملتزما كبيرا بالماركسية، فأحيانا يكون داخلها وأحيانا أخرى خارجها، "هدفه قضايا الإنسان المضطهد والعدالة".

الناقد زياد أبو لبن: هلسا من الروائيين الكبار في الوطن العربي الذين لاقوا اهتمام القارئ والدارس والباحث مما أكسب أعماله شهرة تقترب بكبار المبدعين العرب في العصر الحديث وعلامة فارقة بالرواية العربية

الأخلاق والحرية
وحسب القواسمة الذي يعد من المتخصصين بروايات هلسا تنطوي مرجعية الراحل على تقديم مفهوم جديد لعلم الأخلاق يقوم على الحرية، وتستند للتخلص من رؤية الإنسان بأنه كائن مثالي وإلغاء الإخصاء أي احترام الجسد الإنساني الواقعي وتركه يعبر بحرية عن نفسه وإزالة التهريج الرسمي الذي يلغي الفرد لمصلحة الجماعة أو الجماعة لمصلحة الفرد.

من وجهة نظر هلسا، وفق القواسمة، يعبر الفنان العظيم عن معاناته وانحيازاته، وعلى الأديب أن يدعو للاستمتاع بالحياة، والنظرية النقدية ليست مقدسة ولا ثابتة، ومن أهم وظائف الإبداع اكتشاف الإنسان، فهو مخزن لتاريخ الجنس البشري وقارة مجهولة. كما يرى أن الدكتاتورية كالنازية والصهيونية تطمس الأدب.

وقال إن فهم هلسا للعلاقة بين الأدب والأيديولوجيا ينطلق من الواقعية الاشتراكية، ففي نقده لمجموعة يوسف إدريس "لغة الآي آي"، لاحظ أنها تتبنى موقفا فكريا يقوم على أن البشر طيبون ولا يوجد شرير وأن الجوهر الخيّر في الإنسان هو لاوعيه، وقيم النجاح والطموح مكتسبات ما بعد اللاوعي تتجسد في الملكية الخاصة وهي مصدر كل الشرور.

أما الناقد زياد أبو لبن فاعتبر هلسا من الروائيين الكبار في الوطن العربي الذين لاقوا اهتمام القارئ والدارس والباحث مما أكسب أعماله شهرة تقترب بكبار المبدعين العرب في العصر الحديث وعلامة فارقة بالرواية العربية، مستعرضا آراء عدد من النقاد الأردنيين.

وكانت السيدة هيفاء البشير رئيسة المنتدى رحبت بالحضور، في حين أدار الشاعر عبد الله رضوان الحوار.

المصدر : الجزيرة