غلاف رواية "يا مريم" للعراقي سنان أنطون المرشحة للبوكر العربية (الجزيرة)

أحمد الشريقي-الدوحة
 
يوم واحد فقط هو ما احتاجه الروائي العراقي سنان أنطون في روايته "يا مريم"، ليكثف الزمان الروائي ويجول بعمل إبداعي هو أقرب لكاميرا مخرج سينمائي حاذق، عارضا "المأساة العراقية" موضوعا للمحاكمة بين أجيال متعاقبة.

هذه الأجيال لها كلها في ماضي "أرض السواد" ذكريات مضيئة ومؤلمة، إلا جيلا واحدا هو جيل الراهن العراقي، حيث لا ذكرى سوى الألم والقصف والتشريد والقتل على الهوية.

وحين يتحاور جيلان عراقيان تبدو المحاكمة بين الذاكرة والواقع، إذ يستند "يوسف" الرجل السبعيني في الرواية إلى ذاكرته ليحشد كل المبررات عن عراق جميل لا حرب طوائف فيه، وبه حب وتآلف وأشخاص طيبون وحضارة بعمر نخيله العالي منذ بابل وإلى الآن.

أما "مها" الثلاثينية بنت المأساة، والتي ولدت في ملجأ أثناء حرب الخليج الثانية، وشردت أسرتها في حرب المليشيات وفقدت خالها لأنه مسيحي، وطفلها في غارة "جهادية"! وتعيش لاجئة في بيت يوسف، وقد نجت من الموت بأعجوبة في تفجير كنيسة عراقية، فلا ترى في المكان إلا محطة للهجرة من جحيمه القاسي.

تبدأ الرواية بمحاججة بين الذاكرة والنسيان، وتنتهي على بطلها يوسف المفتون بالنخيل، والرافض لمغادرة العراق مذبوحا في الكنيسة

الذاكرة والنسيان
هكذا تصدر البطلة "مها" حكمها منذ أول سطر في الرواية الصادرة عن منشورات الجمل، والمرشحة ضمن القائمة الطويلة لجائزة بوكر العربية  مخاطبة يوسف الذي عايش عقودا من تاريخ العراق المعاصر بقولها "إنت عمّو عيش في الماضي"!

يتشبث "يوسف كوركيس" بذاكرته ليستعين بها على المكان القاتل، فتحضر "حنة" شقيقته تملأ الرواية حبا، وسعدون المسلم صديق العائلة ومرابع الرياضة، وفلاح حسن لاعب كرة القدم الشهير، و"صاعدو النخل"، وأطياف من مرّوا: عهد ملكي وعبد الكريم قاسم وصدام، وفي العهود كلها حلو ومر، إلا أن ذاكرته تصبح هشة وضعيفة في محاججة مها أمام أئمة القتل الجدد في بلاد ما بين النهرين.

يمثل "يوسف" رمزا للعراقي المتشبث بوطنه، فلا يرى في ما يجري فيه من حرب طائفية أكثر من غمامة ستزول، وأن الأمر ليس حرب طوائف بقدر ما هو صراع ساسة. وفي ذاكرة الرجل ما يعينه على البقاء في زمن يعايشه، مستندا إلى رؤى الماضي، لكنه إذ يفعل ذلك يقضي مذبوحا ليجد راحته الأبدية "ذبيحة إلهية" قريبة من مريم.

الرواية تبدأ بمحاججة بين الذاكرة والنسيان، وتنتهي على يوسف المفتون بالنخيل، والرافض لمغادرة العراق مذبوحا في الكنيسة، وما بينهما الحكاية العراقية في فصلها الدامي والحزين، حيث يقود الروائي شخوصه بعناية وبلغة هي أداته الطيعة يقتصد فيها حين يريد ويبذخ فيها متى أراد للحكاية أن تتوهج.

تحضر العامية العراقية فتحس بألفتها على صعوبة من فهم وتتوهج مقاطع لمغن عراقي "يوسف عمر":
"يا كليبي يل وذوب! ون وتفَطَر
واجري الدمعْ يا عينْ من جفني الأحمر
نوحي نوحي نوحي يا روحي على العافوج يا روحي نوحي"..
فتستسلم لجماليات أشعار محمد مهدي الجواهري كما تحضر من ذاكرة "سعدون".

وفي النص أيضا سخرية "أبو فرات" اللاذعة:
"أي تطَرطَري، تَقَدَمي، تأخَري، تَشَيعي، تَسَنَني، تهوّدي تَنصَري، تَعَربي".

موضوع الرواية وإن كان مغريا بمقاربته إبداعيا لتراجيديته العالية، فإن أنطون يقدم لوحة فنية مبكية يستعير فيها تاريخ العراق ويكثفه

لوحة مبكية
تتخذ رواية "يا مريم" الانقسامات الطائفية في بلاد الرافدين موضوعا لإبداعها، وتحديدا معاناة المسيحيين التي وصلت ذروتها بتفجير كنيسة "سيدة النجاة" في بغداد والتي تتقاطع أحداث الرواية معها. وفي الفصل الأخير "الذبيحة الإلهية" رواية سينمائية لحادثة التفجير تلك.

لكن الموضوع وإن كان مغريا بمقاربته إبداعيا لتراجيديته العالية، فإن أنطون يقدم لوحة فنية مبكية يستعير فيها تاريخ العراق ويكثفه، ويرسم لوحات وصفية أنيقة، ويترك شخوصه يقودون الحدث دون قمع السارد.. هي رواية تتناول موضوعا متفجرا، لكنها لا تخل بالشرط الفني ولا تقع في الوعظ والثرثرة.

وتعد "يا مريم" الثالثة لأنطون المولود عام 1967 بعد روايتيه "إعجام" و"وحدها شجرة الرمان"، وبعد ديوان شعري "ليل واحد في كل المدن"، وقد ترجمت كتاباته إلى الإنجليزية والألمانية والنرويجية والبرتغالية. كما ترجم هو أشعار محمود درويش وسركون بولص وسعدي يوسف وغيرهم إلى الإنجليزية، ويعمل أستاذا للأدب العربي في جامعة نيويورك منذ العام 2005.

المصدر : الجزيرة