لوحة من المعرض تمثل رحلة القوافل في الدولة العثمانية (الجزيرة)
أحمد الشريقي-الدوحة
 
لم تكن "غدانسك" المدينة البولندية وجنة الفنانين في أوروبا أواسط القرن السادس عشر، أقل جمالا من إسطنبول حاضرة العثمانيين. بيد أن التاجر والمثقف الثري بارثالاميوس شاهمان قاده فضوله إلى الإمبراطورية العثمانية وهي في أوج ازدهارها، فزارها مرتحلا في مدنها وعاصمتها قبل أن تحط قدمه في إسكندرية مصر.
 
جاب شاهمان الشرق وعاصمته عامين، تاركا وراءه ألبوما احتوى زهاء مائة لوحة مائية، هي مجموع لوحات معرض "فن الترحال" الذي يضمه متحف الفن الإسلامي بالعاصمة القطرية الدوحة ويستمر عرضه حتى 21 فبراير/شباط المقبل.
 
وبين معرض "فن الترحال" في قاعة الرواق، والقاعة الأولى التي أفردت لمقتنيات شاهمان، فسحة للمتلقي لمعاينة العالم القديم في قرن شهد الاكتشافات الجغرافية وبدايات عصر التنوير.
 
ويمهد منظمو المعرض للجغرافيا التي ارتحل فيها شاهمان بخارطة الإمبراطورية العثمانية، ممتدة على مساحات شاسعة أواسط أوروبا، والعالم العربي الذي كان العثمانيون قد أنجزوا للتو فتحه بعد معركة "مرج دابق" الشهيرة، بينما تتناثر على جداريات المعرض صور سلاطين وقادة عثمانيين وبينهم القائد الشهير خير الدين باربروس.
 
شاهمان كان مهتما بشكل خاص بالأزياء
في البلدان التي يزورها وضمنها في لوحاته
(الجزيرة)
بورتريهات ومقتنيات
تمثل القاعة الأولى مقتنيات شاهمان وفيها بورتريهات لشخصيات أرستقراطية، ولوحة ضخمة تمثل إعادة بناء معبد. وفي القاعة أيضا كتاب شاهمان وألبومه الذي تحول إلى معرض فني في الدوحة. كما يضم مقتنيات لصناديق وأباريق وغيرها حصل عليها خلال رحلاته.

وفي القاعة الثانية تحمل لوحاته انطباعاته وتوثيقه للحراك الاجتماعي والسياسي والديني للدولة العثمانية. وتحتل إسطنبول معظم لوحاته، وفي إحداها توثيق لاحتفالات طقوس الختان، ولوحات تجسد أسرى حروب الدولة في أوروبا.

ويلتقط شاهمان في إحدى لوحاته صورة للرفق بالحيوان، مجسدا عثمانيا يوزع اللحم على قطط. كما تترك لوحاته سجلا للعادات الاجتماعية والطقوس الدينية، ومنها مشهد وضوء لرجال وهم يستعدون للصلاة.

وفي لوحتين أخريين يسجل مشهدا لجنازة رجل مسلم، بينما تبرز لوحة أخرى مسيحية تبكي زوجها في إيماءة لرعايا الدولة العثمانية. كما تحتل الحمامات التركية مكانة لفتت شاهمان، فجسد في إحدى لوحاته مشهدا لتركيات يقصدن الحمام، بينما تظهر لوحة أخرى جانبا من طقوس الاستحمام التركي (العثماني) الخاص بالرجال.

كما يقدم المعرض عبر عدد من اللوحات صورة بانورامية للنشاط الزراعي ونظام العدالة في الدولة، وبينها معاقبة لصوص وممارسة التعذيب بطريقة الشبح، ومشهد للأسرى خلال حروب الدولة.

أولغا  نيفيدوفا تلقي محاضرتها عن المعرض (الجزيرة)

قصة المعرض
وفي نشاط مواز للمعرض عقدت ندوة مختصة أمس الأحد لشرح أبعاد المعرض وحكاية تنظيمه والأبعاد المعرفية التي انطوى عليها.

وعرضت مديرة متحف المستشرقين أولغا نيفيدوفا لفكرة إنشاء المعرض قائلة "إنه قد وصل المتحف قبل سنوات صندوق يضم ألبوم شاهمان، حيث كان نقطة بداية لاهتمام المتحف بسيرة الرحالة، وإجراء بحث مستفيض حول سيرته وتعليمه وترحاله".

وسردت نيفيدوفا جانبا من سيرته باعتباره كاتبا وأحد جامعي التحف في عصره، لافتة إلى أن شاهمان سمي "عوليس" عصره لكثرة رحلاته، كما أنه كان يتمتع بثراء فاحش، ولم يكن رجل سياسة فحسب، بل منقبا عن التراث أيضا.

وأشارت إلى أنه عايش في حياته زمن التغيرات الدينية والسياسية الكبرى في أوروبا، وكذلك زمن الاكتشافات الجغرافية، وهو الوقت الذي ازدهرت فيه الفنون وتوسعت فيه أيضا الإمبراطورية العثمانية.

من جانبها عرضت الباحثة في متحف المستشرقين سارة المانع إلى كيفية التعامل مع لوحات شاهمان وتقسيمها بحسب الموضوع الذي عبرت عنه لوحاته المائية، والتي جاءت في عشر مجموعات موضوعية.

وفي جانب متصل باهتمام شاهمان، أشار د. تاوداش مايدا إلى اهتمام الأول بالأزياء إذ كان يحتفظ بألبوم خاص لها في مكتبة برلين.

وقدم د. هارالد لاكوم ورقة بحثية تطرق فيها إلى النزاع بين الإمبراطورية العثمانية وإمبراطورية هايسبورغ من أجل السيطرة على المجر. أما ماغدالينا مييلنيك فأشارت إلى أن زيارة شاهمان سبقتها رحلة لمارتن غرانويغ، حيث تم تدوين ملاحظاته في سجل مليء بالأوصاف المفصلة والملونة عن عالم العثمانيين.

المصدر : الجزيرة