صلاح ستيتية.. تجليات الكلمة والصورة
آخر تحديث: 2012/12/10 الساعة 13:48 (مكة المكرمة) الموافق 1434/1/27 هـ
اغلاق
خبر عاجل :وسائل إعلام إسبانية: مدريد ترفض تهديدات حكومة كاتالونيا وتفعل المادة 155 من الدستور
آخر تحديث: 2012/12/10 الساعة 13:48 (مكة المكرمة) الموافق 1434/1/27 هـ

صلاح ستيتية.. تجليات الكلمة والصورة

صلاح ستيتية (يمين) يتأمل اللوحات مع بعض رواد المعرض (الجزيرة)
أنطوان جوكي-باريس
 
يتعانق الشعر والفنون التشكيلية وتشتبك الكلمة بالصورة، في معرض "صلاح ستيتية والرسّامين" الذي افتُتح بمتحف "بول فاليري" بمدينة سيت الفرنسية، وهو ما يسمح للزائر بإلقاء نظرة شاملة على إبداع الشاعر اللبناني الفرنكفوني والروابط التي نسجها مع أبرز وجوه الفن بالقرن العشرين.
 
ويستحضر المعرض -الذي انطلق الأحد- جميع كتب ستيتية الفنية وأكثر من مائة لوحة أو رسم أو محفورة تعود إلى الرسّامين الذين تعاونوا مع الأديب اللبناني المخضرم لإنجاز هذه الكتب.

أحاط ستيتية (1929) نفسه باكرا بأعمال لفنانين مشهورين وأقل شهرة. تقاسم وإيّاهم مخيّلة مشتركة، فبدأ تعاونه معهم منذ نحو خمسين عاما، حين طلب عام ١٩٦٤من الفنان الفرنسي روجيه إدغار جيليه تزيين كتابه "ربّة الفنون". ومنذ ذلك الحين لم يتوقف هذا التعاون الذي يشهد على رابط جوهري بين لغة الشعر ولغة الرسم.

 جانب من لوحات معرض "صلاح ستيتية والرسامون" (الجزيرة)

كلمة وصورة
وعن ذلك يقول الشاعر مارك هنري أرفو إنه إن سلمنا بأن العين تسمع -وفقا لصيغة بول كلوديل الجميلة- فإن الشاعر بلغته وصوره، هو قبل أي شيء رؤية.

ويضيف "هكذا هو ستيتية على طريق السؤال الذي يطرحه باستمرار على ما هو موجود، رجل التأمّلات الملموسة والخلاصات الجوهرية التي تربطه بسرّ العالم، كان محتّما عليه مساءلة فن الرسم ومحاورته وتغذية نار صوره بتجلياته المتعدّدة والصامتة".

في المعرض، يتبيّن لنا أن ستيتية أنجز ١٥٠ كتابا فنيا وتعاون مع تسعين رسّاما غربيا وشرقيا نذكر منهم جاك هيرولد وبيار أليشينسكي وراوول أوباك جان بازان ولاديسلاس كينو وجورج ماتيو وتيتوس كارمل وزا وو كي وجوليوس بلتزار، وأيضا الغني العاني وفيليب عمروش ومحمد سعيد الصكار وفريد بلكاهية وحسن مسعودي وصليبا الدويهي.

ومع بعض هؤلاء الفنانين، لم يحصر تعاونه في كتاب واحد، كما هو الحال مع أليشينسكي الذي أنجز معه ستة كتب، أو مع الغني العاني الذي أنجز معه خمسة كتب، أو مع جاك كلوزيل الذي زيّن للشاعر عشرة دواوين.

في معظم الأحيان، جاءت الرسوم أو المحفورات أو التخطيطات كتزيين أو تأويل لقصائد ستيتية. لكن العكس صحيح أيضا، إذ كتب الشاعر بعض قصائده كجواب على لوحة، أو شكلت بعض نصوصه صدى لعمل بصري تصويري أو تجريدي.

ولم تفض صداقات ستيتية مع الفنانين دائما إلى مشروع كتاب، بل كانت نتيجتها أحيانا رسم هؤلاء الفنانين بورتريها أو أكثر له، كما هو الحال مع بازان والدويهي ولورانس سوتّون وغزافيي فالس، أو إهدائه عملا فنيا كما فعل ماتيو، أو تفسير بعض نصوصه بشكل تخطيطي، كما فعل هنري لورو. لكن في أحيان أخرى جاءت النتيجة على شكل تدخّل خطي من قبل الشاعر داخل بعض لوحات أصدقائه.

يمنحنا المعرض بطريقة ترتيبه، قراءة واضحة ومثيرة لهذه الأعمال المشتركة التي جاءت ثمرة لقاء وحيد أو مجموعة لقاءات. وهو يحترم التسلسل الزمني لهذه الأعمال، بادئا بالتعاون الأول لستيتية مع كل من هؤلاء الفنانين، قبل أن يكشف عن مجموع الإنجازات المشتركة.

وبهدف تعريفنا بطبيعة عمل كل فنان تعاون مع ستيتية، يكشف المعرض أيضا عن مختارات من أعماله الشخصية. ومن هذا المنطلق، يُشكل بانوراما فريدة تمثل خير تمثيل الفن الحديث والمعاصر ببُعدهما الشعري الصرف. وكما لو أن ذلك لا يكفي، يتخلل مسار المعرض تجهيزات فيديو تسمح للزائر بتصفّح عدد كبير من كتب الشاعر الفنية ومخطوطاته.

في جميع كتب ستيتية، ثمّة شعر يؤدّي دور الواصلة بين عالمَين، مسكون بجميع أصوات الأدب الفرنسي -من فييون وحتى السرّياليين- وبأصوات متصوّفي الإسلام الحارقة

شاعر الضفتين
الأديب  اللبناني، وإن كتب جميع قصائده باللغة الفرنسية، فهو ذو ثقافة عربية وإسلامية واسعة بدأ بتكوينها باكرا على يد والده في بيروت، ثم في باريس بالذات، حيث اكتشف أثناء دراسته في جامعة السوربون و"كولّيج دو فرانس" أسماء التصوّف الإسلامي الكبرى، إلى جانب شعر بيار جان جوف وإيف بونفوا وأندريه بيار دو مانديارغ الذين تحوّلوا بسرعة إلى أصدقاء له. ومنذ ذلك الحين، ما برح يسعى بلا كلل إلى ربط ضفتي المتوسّط وإلى كشف حوارهما الثابت والخصب على مر التاريخ.

تقفز هذه الملاحظة سريعا لمخيلة أي قارئ لكتبه، وهو ما يقوله أيضا الكاتب ستيفان بارساك عندما يقول "يجيب ستيتية بعمله الشعري الذي يمتدّ نصف قرن من الزمن، على سؤال كفاءة الشعر في تغيير حياتنا، عبر توجيه طريقة حضورنا في العالم نحو الجوهري، كما يتناول الاضطرابات التي تعبر بداية الألفية الجديدة، حيث أصبحت مسألة الحوار بين الشعوب والثقافات رهانا ذا أهمية بالغة".

ستيتية -كما يبدو في المعرض- هو فعلا شاعر الضفّتَين، تنظر كتاباته نحو الغرب بدون أن تتوقّف أبداً عن الاستضاءة بأنوار الشرق. ففي كتبه، ثمّة شعر يؤدّي دور الواصلة بين عالمين مسائلا روابطهما الأخوية وانعكاساتهما الواحد على الآخر.

هناك شعر إشراقي يقف على مسافة واحدة من الحداثة التي يضطلع بها ومن التقليد الذي يعيد ابتكاره، ومسكون بجميع أصوات الأدب الفرنسي الكبير -من فييون وحتى السرّياليين- وبأصوات متصوّفي الإسلام الحارقة.

ومهما كتب ستيتية -شعرا أو نثرا أو أبحاثا نقدية- فهو يجمع تحت النظرة الثاقبة نفسها إرادة تفسير العالم وظواهره وفقا لممارسة لغوية تجعل منه على غرار صموئيل بيكت أو يوجين يونيسكو أو إميل سيوران، أكثر من مجرّد كاتب فرنكوفوني، بل أحد أكبر وجوه أدبنا.

المصدر : الجزيرة

التعليقات