طارق الشناوي

لماذا تحرك  الأزهر بحزم بسبب فيلم "عبده موتة" في سابقة أراها استثنائية وخطيرة لم تحدث من قبل في تاريخ الأزهر الشريف، فلم يسبق أن أصدرت المؤسسة الدينية قرارا يتناول فيلما سينمائيا بعد مشاهدته كاملا بحضور المفتي وعدد من السينمائيين.

الأزهر لم يجز سابقا مسلسلات مثل "يوسف الصديق" و"الحسن والحسين ومعاوية" و"عمر"، لكن هذه الأعمال لم يشاهدها متخصصون داخل المؤسسة الدينية ولكن تم منعها فقط انطلاقا من عناوينها، كما أنه لم يصرح بعرض فيلم "الرسالة" لمصطفى العقاد لتقديمه شخصية سيدنا حمزة بن عبد المطلب.

طبقا لتعليمات الأزهر، يمنع تجسيد حياة الأنبياء والخلفاء الراشدين والصحابة والعشرة المبشرين بالجنة، وإن كان الأزهر في عهد الشيخ سيد طنطاوي قد سمح للتلفزيون المصري بعرض "الرسالة" بعد 25 سنة من منعه، ولكن تلك قصة أخرى.

هذه المرة كان مفتي الديار المصرية الشيخ علي جمعة حاضرا في لجنة ليشاهد فيلم "عبده موتة" كاملا في مكتبه بدار الإفتاء، وكنت أنا الناقد الوحيد الذي وجهت له نقابة السينمائيين المصرية الدعوة لكي انضم إلى لجنة كان بين أعضائها كل من نقيب السينمائيين مسعد فودة ووكيل النقابة عمر عبد العزيز ونقيب الممثلين أشرف عبد الغفور ووكيل نقابة الممثلين سامح الصريطي.

بدأ العرض ولم يغادر المفتي مقعده على مدى ساعة ونصف الساعة، ولم يكتف بمشاهدة الأغنية محل الخلاف التي يقول مطلعها "يا طاهرة يا أم الحسن والحسين"، ولكنه أصر على أن يستكمل الفيلم.

المؤسسات الدينية، سواء جامع الأزهر أو الكنيسة، ينبغي أن لا تراجع النصوص الدرامية أو الأدبية أو تشاهد الأعمال الفنية قبل إجازتها للعرض أو بعد تداولها، فقط في حالة تقديم عمل فني يتناول شخصية دينية

وكان الغضب قد وصل إلى ساحة الأزهر بعد أن تقدم مئات بالشكوى على اعتبار أن الفيلم يتضمن إهانة للسيدة فاطمة الزهراء، كما أن المتحدث الرسمي باسم الشيعة في مصر قال إن الراقصة دينا تشارك بالرقص أثناء أداء الأغنية، وهو ما يخدش مشاعر المسلمين، كما أشارت إحدى الصحف الإيرانية إلى أن الأزهر صمت عن تلك الإهانة، فكان لا بد للأزهر أن يتدخل.

اكتشفت أن فضيلة المفتي على دراية بأسماء أغلب المشاركين في الفيلم، وفي النهاية عندما شاهدنا الممثل محمد رمضان يرتدي البدلة الحمراء متوجهاً لحبل المشنقة قال المفتي ضاحكا "هذه القضية لم تعرض علينا لنوافق على شنق القاتل".

بعدها أصدر المفتي قراره، الذي لم يتعرض مطلقا للفيلم، ولكنه أوصى فيه بحذف أغنية "يا طاهرة يا أم الحسن والحسين". وأشار في البيان إلى أن القرار تم بحضور عدد من ممثلي النقابات الفنية وعدد من النقاد. قلت له يا مولانا لم يكن هناك ناقد غيري وأنا أعترض على القرار، كما أني أطالب السادة الممثلين للنقابات برفض البيان ومن حق دار الإفتاء أن تُصدره، ولكن دون الحصول على مشروعية من النقابات حتى لا تصبح  مراجعة الأعمال الفنية من قبل المؤسسة الدينية بغطاء وموافقة ضمنية من النقابات الفنية قاعدة، ولم يؤيدني أحد من الحاضرين.

خطورة إصدار هذا القرار أنه يمنح مشروعية للرقابة الدينية على كل ما يقدم، ولو فتحنا هذا الباب فلن نستطيع إغلاقه أبدا. اللقطة المحذوفة لا تتجاوز 15 ثانية، ولكن الدلالة تتجاوز الزمن إلى وجود عين من المؤسسة الدينية يحق لها أن تتدخل بالحذف، والغريب أن وزير الثقافة شكل لجنة من قبل أوصت أيضا بحذف هذه اللقطة.

إنها سابقة خطيرة أن تمنح النقابات الفنية مشروعية الرقابة الدينية على أعمال فنية من المفروض أن الرقابة على المصنفات هي التي تتولى الفصل فيها. النقباء في الحقيقة لا يمثلون أنفسهم، بل قطاعا عريضا من الفنانين والمبدعين، فكان ينبغي أن يحصلوا على موافقتهم قبل هذا الإجراء الخطير.

خطورة إصدار هذا القرار أنه يمنح مشروعية للرقابة الدينية على كل ما يقدم، ولو فتحنا هذا الباب فلن نستطيع إغلاقه أبدا

تاريخ الأزهر في التدخل الرقابي ومصادرة العديد من الأعمال الفنية شاهدناه كثيرا، كما حصل مع رواية نجيب محفوظ "أولاد حارتنا"، وكانت هي واحدة من أهم الروايات التي استند إليها المحكمون وهم يمنحوه جائزة نوبل. كما أن الأزهر اعترض على طبع رواية "وليمة لأعشاب البحر" للأديب السوري حيدر حيدر في وزارة الثقافة المصرية، وعلى أغنية محمد عبد الوهاب "من غير ليه" التي يقول مطلعها "جايين الدنيا ما نعرف ليه ولاعايشين ليه ولا عايزين ايه"، وهي تعتبر ترديدا لقصيدة شاعر المهجر إيليا أبو ماضي "لست أدري" التي يقول في مطلعها "جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت". 

رغم أن المفتي في القرار الذي أصدره تعمد الابتعاد عن التقييم الفني لفيلم "عبده موتة" على طريقة "أهل مكة أدرى بشعابها"، فإنه اعترض على الأغنية من منظور ديني، وهو ما طرح داخل الوسط الفني والثقافي تساؤلات عديدة.

المؤسسات الدينية، سواء الجامع الأزهر أو الكنيسة، ينبغي أن لا تراجع النصوص الدرامية أو الأدبية أو تشاهد الأعمال الفنية قبل إجازتها للعرض أو بعد تداولها، فقط في حالة تقديم عمل فني يتناول شخصية دينية، في هذه الحالة فقط ينبغي أن يحصل صانع العمل الفني على موافقة الجهات الدينية.

لقد حدث -مثلا- عندما عرض فيلم "بحب السيما" عام 2004 أن اعترضت الكنيسة الأرثوذكسية في مصر، ولكن لم يعرض عليها الفيلم بعد أن أجازته الرقابة على المصنفات الفنية، كان الفيلم لأول مرة يقدم عائلة مصرية مسيحية ولم تستجب الدولة لرغبة الكنيسة في مراجعة العمل الفني. خطورة هذا الموقف الأخير المتعلق بفيلم "عبده موتة" أننا لن نستطيع منع تكراره مره أخرى، سواء من دار الإفتاء أو من الكنيسة.

ويبقى المسكوت عنه، وهو ما لم تعلنه الجهات الرسمية في مصر، أن هذا الغضب ضد الفيلم والشكاوى التي ملأت أجهزة الإعلام كان وراءها لأول مرة متحدث رسمي باسم الشيعة، وهم أقلية في مصر كانوا أثناء عصر مبارك لا صوت لهم ولكن بعد ثورة 25 يناير بدأت أصواتهم تعلو وهم يؤكدون وجودهم من خلال دفاعهم عن آل البيت، فكان ينبغي أن يعلن الأزهر أيضا أنه يدافع أكثر منهم عن آل البيت، فأصدر هذا البيان.

عندما عرض فيلم "شفرة دافنشي" قبل نحو سبع سنوات أصدر الفاتيكان بيانا يحذر أتباع الكنيسة الكاثوليكية من مشاهدة الفيلم، حيث إنه اعتبره مسيئا للديانة المسيحية، وهذا بالطبع واجبه كمؤسسة دينية ولكن لم ينضم للفاتيكان ممثلو النقابات والهيئات الفنية في العالم. ولهذا، فلا بأس أن تصدر دار الإفتاء تلك التوصية ولكن بعيدا عن تأييد وموافقة ضمنية من النقابات الفنية في مصر!!
_______________
كاتب وناقد فني مصري

المصدر : الجزيرة