قراءة فرنسية جديدة للربيع العربي
آخر تحديث: 2012/11/7 الساعة 23:27 (مكة المكرمة) الموافق 1433/12/23 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2012/11/7 الساعة 23:27 (مكة المكرمة) الموافق 1433/12/23 هـ

قراءة فرنسية جديدة للربيع العربي

الكتاب يرسم صورا واقعية لأبطال الثورات العربية (الجزيرة نت)

أنطوان جوكي ـباريس

كتاب الصحفي الفرنسي برنار غيتا "العام واحد للثورات العربية" ليس مجرّد محاولة جديدة، من بين محاولاتٍ غزيرة في الغرب، لسرد أحداث ربيعنا العربي بل تحليلاً يوماً بيومٍ لطبيعة هذه الأحداث وتسلسلها اضطلع به هذا الصحفي اللامع في سياق مداخلاته اليومية على إذاعة "فرانس إنتر" والأسبوعية في جريدتَي "ليبيراسيون" الفرنسية و"لا ريبابليكا" الإيطالية.

ويُقرأ هذا الكتاب -الذي صدر حديثاً عن دار نشر "بولان" الباريسية- كدفتر يوميات شيّق يؤدّي غيتا فيه دور عالم الاجتماع والروائي معاً، فيرسم بالخط العريض صورا واقعية ودقيقة لأبطال الثورات العربية مسائلاً قارئه بشكلٍ ثابت وداعياً إياه إلى النظر حيث فضّل الآخرون الإشاحة بنظرهم.

وصعوبة العثور على تفسيرٍ شامل ومتماسك لهذه الأحداث دفعت غيتا أولاً إلى البحث عن سوابق تاريخية لها.

وفي هذا السياق، عمد إلى إجراء مقارنة مثيرة بين الثورات العربية وانحلال الأنظمة الشيوعية، أو بين سقوط جدار برلين منذ عقدَين وسقوط جدار الدكتاتوريات العربية.

أكثر من ذلك، يعتبر غيتا في كتابه أنه مثلما أنذرت الأزمة البولونية عام ١٩٨٠ بزوال الاتحاد السوفياتي، مهّد وصول محمد خاتمي إلى السلطة في إيران عام ١٩٩٧ وتسلّم حزب "العدالة والتنمية" الحكم في تركيا عام ٢٠٠٢ السبيل لنهضة إسلامية شاملة.

الثورات العربية كانت منذ بدايتها مشحونةً بدلالاتٍ إيجابية قوية

معرفة عميقة
ومقارنة غيتا غير سطحية أو اعتباطية بل ترتكز على معرفة عميقة إن بمسلسل انهيار الأنظمة الشيوعية أو بالأحداث التي سبقت وتلت وصول خاتمي إلى السلطة؛ معرفة نتجت عن تغطيته الميدانية للأحداث التي شهدتها دول المعسكر السوفياتي في ثمانينيات القرن الماضي ثم إيران في تسعينياته، مما جعله يستنتج باكراً وقبل غيره كم كانت غير مبنية فكرة الجمود السياسي والاجتماعي والثقافي في أوروبا الشرقية والعالم الإسلامي وكم أن الشعوب السلافية والمسلمة كانت ولا تزال عطشة للحرية والعدالة.

وبعد هذه المقارنة، ينتقل غيتا إلى مسلسل الثورات العربية في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن، فيصورً بموضوعية لا تخلو من الغنائية رياحها التي قلبت الواقع العربي رأساً على عقب وكتبت صفحةً جديدة ومجيدة في تاريخ منطقتنا.

وينقل بأمانة إيقاع هذه الثورات المختلف من بلدٍ إلى آخر مبرّزاً التساؤلات المشروعة التي رافقتها عن الوجهة التي ستأخذها، ودور الإسلام السياسي فيها وقدرات الدول المنخرطة فيها على الشروع في الإصلاحات.

ومن خلال هذا التصوير الدقيق، يبيّن غيتا أن هذه الثورات، منذ بدايتها، كانت مشحونةً بدلالاتٍ إيجابية قوية يمكن اختصارها على النحو الآتي: تكذيبٌ فاضح لحتمية الصراع بين الحضارتَين الإسلامية والغربية التي روّج لها هانتنغتون قبل حلول الربيع العربي، وتثبيت دور الشباب العربي في هذه الثورات ورغبته الملحة في اختبار الديمقراطية، وإلتزام القوى السياسية الإسلامية الواضح باحترام التعددية.

ومن الدلالات أيضا استحالة العودة إلى الوراء وإلغاء إنجازات الربيع العربي على رغم الصعوبات، وأحياناً الفوضى، التي رافقته، وعلى رغم القوى الرجعية والظلامية التقليدية التي ما زالت فاعلة داخل أمّتنا وتعمل على عرقلة مسيرة أبنائها.

قدرة تحليلات غيتا ليس فقط على إنارة ماضينا الحديث بل حاضرنا أيضاً

إيقاعات زمنية
فالكتاب يتضمّن عملية سردٍ بإيقاعاتٍ زمنية مختلفة ومتشابكة: إيقاع المقالات اليومية التي خصّ غيتا بها إذاعة "فرانس إنتر" وتتميّز بطابعها الآني النضر، وإيقاع المقالات الأسبوعية التي نشرها في جريدتَي "ليبيراسيون" و"لا ريبابليكا"، وإيقاعٍ الملاحظات الباردة التي خطّها مؤخّراً بعد أخذه مسافة من الأحداث المروية، ويعود أحياناً فيها إلى مقالاته السابقة لتصويب بعض الأفكار وتصحيح بعضها الآخر أو لاقتراح قراءةٍ أو أفكارٍ جديدة.

وأبعد من متعة استعادة كل لحظة من لحظات الحمّى والنشوة اللتين رافقتا الربيع العربي الذي يروي غيتا أحداثه بصيغة المتكلّم، تكمن قوة الكتاب في عملية الذهاب والإياب داخل التاريخ الحديث التي يمارسها الكاتب فيه ناقلاً إيّانا من العالم العربي إلى إيران وتركيا، مروراً ببولونيا أثناء تمرّدها على الحُكم الشيوعي، وروسيا لحظة فتح غورباتشيف عنوةً الباب لقدوم مجتمع مدني جديد في بلده، والولايات المتحدة خلال عهد ريغان الليبرالي، والصين التي ما زال حُكّامها متخوّفين من انتقال عدوى الربيع العربي إلى داخل أسوارها.

وخلال تنقّله هذا، يعمد غيتا إلى استخلاص روابط وتشابهات مثيرة، مما يُغني عملية سرده ويعكس نفاذ بصيرته.

تبقى إشارة أخيرة إلى قيمة تحليلات غيتا التي ما زال معظمها صائباً إلى حد اليوم، وبالتالي إلى قدرتها ليس فقط على إنارة ماضينا الحديث بل حاضرنا أيضاً.

وفيها، يتناول بتفاؤلٍ وواقعيةٍ السياسات الجديدة في تونس ومصر وليبيا وعملية سير مجتمعات هذه الدول إلى الأمام، ولو ببطءٍ، وبتشاؤمٍ كبير سياسة الهروب إلى الأمام التي ما زال النظام السوري الحالي يعتمدها -القائمة على البطش والترهيب والتنكيل بلا ورعٍ بشعبه- غير مكترث لارتفاع عدد ضحاياه إلى أكثر من ٣٦ ألفاً، معظمهم من المدنيين.

المصدر : الجزيرة

التعليقات