المشاركون في الورشة محمد المجالي وعالية صالح وصبحية علقم (الجزيرة)
توفيق عابد-عمان
 
نظم منتدى الرواد الكبار بالعاصمة الأردنية عمّان ورشة عمل حول الأديب الفلسطيني الراحل جبرا إبراهيم جبرا (1920-1994) أكد خلالها نقاد أردنيون على القيمة الكبيرة لصاحب "البحث عن وليد مسعود" في الأدب العربي ليس على مستوى الرواية فحسب، بل على صعيد ريادة القصة والشعر.
 
وشدد المتدخلون أمام نخبة من المثقفين ومتذوقي الرواية والشعر أن الأديب الفلسطيني كان عاشقا للقدس وقارئا نهما، وهو يعدّ المعلم الأول للشاعر العراقي بدر شاكر السياب ورائدا في مجال كتابة القصة القصيرة أيضا.

وفي مداخلته "قراءة جديدة لريادة الشعر الحر"، أشار الدكتور محمد أحمد المجالي إلى أن بغداد -التي عاش فيها جبرا- هي المدينة العربية التي احتضنت الثقافة والمثقفين وشهدت انبعاث قصيدة التفعيلة في منتصف القرن العشرين، وأن ظهور الشعر الحر لا يرتبط بشاعر بعينه، بل إنه عمل جماعي شارك فيه مجموعة من الأدباء العرب لا العراقيون وحدهم.

ومن وجهة نظره فإنه رغم الشهرة التي نالها بدر شاكر السياب ونازك الملائكة فيما يتعلق بريادة الشعر الحر، فالواقع يشير إلى أن ثمة أسماء أخرى مهمة قدمت دورا مهما في هذا المجال أبرزهم جبرا إبراهيم جبرا وتوفيق صايغ وبلند الحيدري.

جانب من حضور ورشة عمل جبرا إبراهيم جبرا (الجزيرة)

ريادة أدبية
ورأى المجالي أن الثقافة العالية التي تمتع بها جبرا لا سيما الأجنبية تؤكد أنه الرائد الأول في التأسيس لحركة الشعر الحر ودفع عجلة التغيير إلى الأمام، وقال "إن وقفة متأنية عند العلاقة بين جبرا والسياب تؤكد أن جبرا كان بحكم خبرته وثقافته المعلم الأول للسياب في مجال كتابة الشعر والاطلاع على الشعر الغربي".

وأشار المجالي إلى أن جبرا لم يكتف باستبعاد نازك الملائكة من ميدان ريادة الشعر الحر، بل هاجمها في غير موقع في كتبه النقدية واتهمها بارتكاب أخطاء في مجال الحديث عن المفاهيم الخاصة بعروض الشعر الحر. ونسب المجالي إلى الناقدة العراقية فريال الجبوري قولها عن جبرا "كان يقف دائما في خندق المستضعفين"، موضحا "جبرا هو المعلم والسياب هو التلميذ".

أما الدكتورة عالية صالح من جامعة عمان الأهلية فرأت في مداخلتها "السيرة الذاتية في طفولة جبرا" أن المكان مارس سحره على جبرا، فاستسلم له وتفاعل مع معطياته تفاعلا حميميا ووظيفيا وطوّع محتوياته لخدمته وتحقيق أهدافه وطموحاته.

وأشارت صالح إلى أن المدينة وخاصة القدس وبيت لحم غرست بذور التحدي والفن والأدب والنقد والحس الجمالي في شخصيته، كما نمّت لديه آليات البحث والدراسة والرسم، منوهة إلى أن كتاباته اتصفت بالسلاسة والعبارة العذبة وحسن العرض والقدرة على إعادة الماضي وبعث الحياة والحرارة في تصوير الأحداث والتجارب والشخصيات والصراع الداخلي والخارجي تصويرا دافقا بالحيوية والازدياد والنمو.

بدورها رأت الناقدة الدكتورة صبحية علقم من جامعة الزيتونة في مداخلتها "جدلية النقد والإبداع" أن جبرا كان قارئا وعاشقا كبيرا وكان لدراسته الأدب الإنجليزي في بريطانيا الأثر الواضح في اهتمامه بالنقد.

وأضافت أن مفهوم جبرا النقدي تضمن ثلاثة عناصر هي الموقف والمعرفة والموهبة، وقد حاول المزاوجة بين عمليتي النقد والإبداع.

إبراهيم خليل
"
ثمة خيط رفيع يظهر ويختفي في روايات جبرا يتعلق بارتباط الكاتب ببلدته الفلسطينية بيت لحم والقدس التي أقام فيها

تجربة نقدية وأدبية
من جهتها بينت الدكتورة علقم أن جبرا رفض أن يكون الإبداع نابعا من نظريات مسبقة، وقالت إن الأديب الفلسطيني الراحل ناقد ومبدع متعدد المشارب والاتجاهات واستطاع هضم جميع التيارات والكتابات النقدية في عصره وخلص لتجربة نقدية وأدبية شاملة ودعوة خفية للارتقاء فكرا وفنا لمجاراة شعوب العالم.

وعقب ورشة العمل، قال الناقد الدكتور إبراهيم خليل "ما زالت آثار جبرا تثير الجدل في الوسط الأدبي العربي لما طبعت عليه نتاجاته من تنوع، فهو رائد في مجال القصة القصيرة حيث أصدر عام 1955 مجموعته "عرق وقصص أخرى" اعتبر بعدها من رواد الفن في بلاد الشام".

وقال في حديث للجزيرة نت إن جبرا كان سبّاقا في كتابة أول رواية باللغة الإنجليزية "صراخ في ليل طويل" في حين وضعته روايته "صيادون في شارع ضيق" في ذروة الكتاب العرب وسرعان ما تتابعت رواياته "السفينة" و"الغرف الأخرى" و"البحث عن وليد مسعود" و"يوميات سراب عفان".

ووفق خليل ثمة خيط رفيع يظهر ويختفي في روايات جبرا يتعلق بارتباط الكاتب ببلدته الفلسطينية بيت لحم والقدس التي أقام فيها. كما أن لجبرا شعرا رقيقا، فهو من أوائل الذين كتبوا قصيدة النثر ومن المؤثرين في الشاعر العراقي بدر شاكر السياب وكانت له عناية بالفن التشكيلي، فهو عضو جماعة الفن الحديث في بغداد التي كان لها دورها في نقل الفنون التشكيلية من التقليد العقيم إلى الحداثة.

المصدر : الجزيرة