في فيلمه "التائب" الفائز بجائزة أفضل فيلم بمهرجان الدوحة ترايبكا يدعو المخرج الجزائري مرزاق علواش إلى نسيان جراح ما عرف بالعشرية السوداء في تاريخ الجزائر، لكن بشكل مختلف يقرأ تلك الأحداث بعيدا عن منطق الصدمة الذي لا يؤدي إلا إلى حالة من الجمود والريبة من المستقبل.
 
والسؤال الجوهري الذي يكمن بين أحداث الفيلم يتعلق بميثاق "السلم والمصالحة الوطنية" الذي أصدرته السلطات في الجزائر عام 1999 ومدى قدرته على تكريس قيمة الصفح وتناسي ما جرى؟ وجعل جراح التسعينيات تندمل في القلوب والعقول.

صاحب "باب الواد سيتي" و"عمر قتلني" و"الحراقة" وأفلام أخرى مهمة في المدونة السينمائية الجزائرية يدعو أيضا جمهوره إلى مشاركة شخصياته معاناتهم وتلمس بعض الألم والقسوة التي ملأت نفوس الجزائريين خلال تلك العشرية المريرة.

يؤكد علواش أن الشعب الجزائري يعاني من "صدمة" ما بعد الأحداث "ويلقي باللائمة على الجمود العائد إلى الخوف

التفاؤل المصطنع
الفيلم المبني على قصة حقيقية، يتناول سعي السلطات الرسمية إلى تشجيع الناس على نسيان ما حصل لهم بموجب ميثاق "السلم والمصالحة الوطنية" الذي أدى في حينه إلى عودة مئات الشبان الذين انجروا إلى التطرف والعنف، من الجبال إلى أهاليهم بعدما وضعوا أنفسهم في تصرف الدولة.

تبع ذلك جو من التفاؤل "الاصطناعي" ساد البلاد، كما يقول مرزاق علواش الذي يؤكد أن "سيناريو الفيلم موجود من مدة لكن وزارة الثقافة رفضت منحي المساعدة على إنتاج هذا الموضوع فتركته جانبا وصورته أخيرا بكاميرا رقمية جعلتني أحس بأنني شاب من جديد في السينما".

صاحب "نورمال" الفائز أيضا بجائزة أفضل فيلم بمهرجان الدوحة ترايبكا لسنة 2012 يعتبر أن "التاريخ الجزائري ومنذ الاستقلال حافل بأشياء توضع تحت علامة الصمت ولا يرغب أحد في الحديث عنها. فالجزائريون يحبون القول إنهم بخير ولو بشكل اصطناعي واهم. ولكننا في الواقع لا ننسى، خاصة مع سقوط آلاف الضحايا وهجرة الآلاف وخلو البلد من النخبة... هذا ما أردت التحدث عنه".
 
وأشار علواش إلى أنه يؤيد مثل هذه المبادرات الداعية إلى السلم الأهلي في الجزائر التي لا تزال تشهد بعض العنف، وفي أي بلد كان في العالم، "ولكن بعد ذلك يجب الحديث عما حصل".
 
ويؤكد علواش أن الشعب الجزائري يعاني من "صدمة" ما بعد الأحداث "نحن لا نريد للأمور أن تتغير جراء الخوف مما عشناه في تاريخ قاس جدا" ويلقي باللائمة على الجمود العائد إلى الخوف.
 
من خلال شخصية "رشيد" التي يؤديها الممثل نبيل العسلي يطرح "التائب" إمكانية الصفح من أهالي الضحايا، فرشيد العائد إلى قريته وعائلته واحد من مئات العائدين من الجبل في تلك الفترة الذين اكتشف معهم المجتمع الجزائري عبارة "التائب".
 
ويصور الفيلم استقبال المجتمع لهذا التائب العائد إلى قريته حيث لا يتمكن من البقاء فيها فيغادر إلى المدينة ليجد له مسؤول الأمن عملا في مقهى يرفض صاحبه أن يدعوه على أنه أخوه.
 
ويظهر عسلي في دور رشيد وعلى وجهه ملامح البراءة، لكن رغم قوله إنه لم يقتل أحدا تحوم شكوك حول دوره الحقيقي، وهذه الشكوك تتعقبه في يومياته وفي كل ما يحاول أن يفعله ليبدو هو الآخر ضحية لما جرى.

الصمت في الفيلم يحمل الكثير من الأسئلة عن إمكانية العفو، عن حقيقة ما جرى وواقع أن محاكمة المتطرفين الذين ارتكبوا عمليات قتل الأبرياء في هذا البلد لم تتم

الصمت والبوح
ويتقدم النهج الدرامي للفيلم متتبعا خيط الصمت الذي يقول الكثير عن حالة البلاد حيث يتحول الصمت إلى قيمة يقابلها صمت السلطات على ما جرى وكذلك صمت المجتمع في حين يظل الحاضر مرتبطا بذلك الماضي بل هو متوقف عنده وكأنه مقيد به.

يعرض التائب على الصيدلي- الشخصية الثانية في الفيلم- أن يقوده وطليقته إلى قبر ابنتهما الوحيدة التي اختطفت وقتلت خلال تلك العشرية السوداء، وكان ذلك سببا في انفصالهما. في البداية لا يكون هذا كله واضحا، في الأحداث، لكنه يتضح أكثر خلال رحلة بالسيارة تقود التائب والوالدين إلى قبر ابنتهما.

وفي مشهد طويل يستغرق الجزء الأخير من الفيلم يظل الثلاثة في السيارة التي تقودهم إلى قبر الابنة البريئة المقتولة الذي يريد التائب أن يدلهم عليه مقابل مبلغ من المال.

خلال الرحلة الطويلة يعترف "التائب" بما فعل، وفي حين لا يريد الأب أن يعرف تصر الأم على معرفة كل شيء، معرفة سوف تمكنها من طي الصفحة والنظر إلى المستقبل. لكن حتى الاعتراف يعيد طرح العديد من الأسئلة التي تبقى معلقة برسم المشاهد وتتحول السيارة إلى وطن على الجميع تعلم كيفية التعايش فيه.

تلك الرحلة تعد في النهاية رحلة المسكوت عنه في الجزائر، وذلك الصمت يحمل الكثير من الأسئلة عن إمكانية العفو، عن حقيقة ما جرى، وواقع أن محاكمة المتطرفين الذين ارتكبوا عمليات قتل الأبرياء في هذا البلد لم تتم. 

المصدر : الجزيرة,الفرنسية