العودة لتصوير بعض الأفلام أوجد آمالا بتعافي صناعة السينما العراقية (الجزيرة)
 
يبدو ضجيج مولدات الكهرباء وأسلاك الكهرباء المتشابكة والمشاجرات عند حواجز التفتيش جزءا من صناعة السينما في العراق، التي تعاني أيضا من غياب الدعم ونقص الأستديوهات وندرة العاملين من ذوي الخبرة وقلة صالات العرض، لكن عودة الكامير للدوران مؤخرا أحيت آمال صناع السينما بالعراق.
 
ويقول الممثل صادق عباس -الذي بدأ منذ فترة تصوير فيلم "دموع رجل" في بغداد، ويلعب دورا رئيسيا فيه- إن "رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة"، مشيرا إلى أن هذه هي الخطوة الأولى بالنسبة للسينما العراقية.
 
وأحالت الحرب والعقوبات الدولية معظم البنية التحتية والصناعة في العراق -بما في ذلك صناعة السينما- إلى خرائب، وتعطلت هذه الصناعة التي كانت طموحة بفعل الأوضاع الأمنية والاقتصادية الصعبة وغياب الدعم الحكومي.
 
وكان من شأن التمويل الحكومي أن يوفر نقطة الانطلاق التي تحتاجها صناعة السينما، ولكنها لم تكن ضمن أولويات الحكومة وكان آخر فيلم روائي طويل تموله الدولة في عام 1990. وكافح منتجو الأفلام المستقلون لإكمال بعض أعمالهم، ونال سينمائيون عراقيون جوائز وحققوا نجاحات لكن خارج بلاد الرافدين.
 
بموجب البرنامج الحكومي فإن تمويل أي فيلم روائي قد يصل إلى 1.25 مليار دينار (1.07 مليون دولار) ويكلف فيلم قصير74 مليون دينار
عودة الدعم
وبعد مرور تسعة أشهر على رحيل آخر جندي أميركي من العراق وصل إنتاج النفط إلى مستويات كبيرة وظهرت على الحياة اليومية علامات التعافي والاستقرار، وتقول الحكومة إنها تستطيع الآن أن تنظر مرة أخرى في تمويل الفنون بما فيها صناعة السينما.
 
وخصصت وزارة الثقافة ما يصل إلى 4.7 ملايين دولار حتى العام القادم وهو ما يكفي لتمويل 21 فيلما تتراوح بين أفلام روائية طويلة وأفلام قصيرة وأخرى وثائقية تتناول موضوعات متنوعة.
 
ويقول اسماعيل الجبوري -معاون مدير عام دائرة السينما والمسرح بوزارة الثقافة- "هذه مغامرة وضعت فيها دائرة السينما والمسرح ونحن قبلنا بها. نشعر بحماس بأننا قادرون بالمضي بذلك إن شاء الله لأن طوال مسيرة السينما العراقية لم يتم إنتاج أربعة أفلام في سنة واحدة".
 
ولكن عودة التمويل الحكومي تعني بداية جديدة لكثير من المخرجين المحليين، حتى لو كانت المبالغ صغيرة وفقا للمعايير الدولية.
 
وبموجب البرنامج الحكومي فإن تمويل أي فيلم روائي قد يصل إلى 1.25 مليار دينار (1.07 مليون دولار) ويكلف فيلم قصير 74 مليون دينار.
 
وقال قاسم محمد سلمان -مدير إدارة السينما في وزارة الثقافة والمنتج المنفذ لأفلام بلغ عددها 21 فيلما- إنه لم يخصص سوى أربعين مليون دولار لصناعة السينما في الفترة بين 2004 و2012.
 
وعبر مدير إنتاج فيلم "دموع رجل" سعد عبد الله عن سعادته وقال "يغمرنا إحساس بالفرح لأننا نشعر أن هناك من يريد أن يدعمك ويعطيك حتى تعمل، ورغم بساطة المبلغ سوف نصنع سينما جيدة".
 
بلغت صناعة السينما ذروتها بالعراق في السبعينيات عندما أسست الحكومة أول مسرح وخصصت مزيدا من الأموال للأفلام الروائية الطويلة وجذبت صناع السينما من العالم العربي لمد يد العون
صناعة عريفة
ويعود تاريخ السينما العراقية لخمسينيات القرن الماضي، رغم أن الإنتاج لم يتجاوز عددا قليلا من الأفلام. وأنشأت إدارة حكومية للسينما في عام 1959 لكنها لم تنتج سوى فيلمين روائيين طويلين في السنوات العشر التالية لإنشائها، وعدد قليل من الأفلام الوثائقية.


وبلغت صناعة السينما ذروتها في السبعينيات عندما أسست الحكومة أول مسرح، وخصصت مزيدا من الأموال للأفلام الروائية الطويلة وجذبت صناع السينما من العالم العربي لمد يد العون.

وأنتج أول فيلم ملون في هذه الفترة وهو فيلم "الرأس" للمخرج فيصل الياسري الذي كان من أكثر المستفيدين من التمويل الحكومي الأحدث.

ويقول الموظف العراقي محمد مهدي (40 عاما) إن والدته تتذكر الذهاب إلى السينما لمشاهدة الأفلام الرومانسية المصرية مع والده تاركين الأطفال مع جدتهم. وأضاف بنبرة تشي بحال السينما ببلاد الرافدين "أمي تتأسى دائما لموت السينما العراقية".

وبعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003 جرى نهب السجلات ومعدات صناعة الأفلام. واستنزف العنف الذي اندلع لاحقا القدرات الفنية للعراق، وتباطأ إنتاج الأفلام بشدة وتدهورت البنية التحتية للصناعة. وأصبحت المعامل والكاميرات في حالة ميئوس منها ودمر دور السينما.

وحاولت شركات الإنتاج المستقلة جمع الأشلاء مع بعض النجاحات الملحوظة مثل فيلم "ابن بابل" وهو فيلم حربي موله القطاع الخاص، ونال عددا من الجوائز الدولية واختير لتمثيل العراق في مسابقة جوائز الأكاديمية الأميركية للسينما في عام 2011.

من بين 82 دار سينما كانت مفتوحة في العراق معظمها في بغداد فإن خمسة منها فقط لا تزال مفتوحة

عوائق متعددة
ويقول قاسم عبد -الذي عاد إلى العراق بعد عام 2003 ويقوم بتدريس الإنتاج السينمائي- إن مبادرة التمويل الحكومية لا تتعلق بتشجيع المنتجين المحليين بقدرما تتعلق بتحقيق مكاسب سياسية، مضيفا أن هذه المساعدات "يتم تسخيرها للدعاية السياسية وليس للثقافة".

ويقول كثير من منتجي الأفلام والفنانيين والموسيقيين والممثلين إنهم أيضا يشعرون بالقيود التي تفرضها النزعة الدينية المحافظة في العراق الجديد، حيث تسعى أحزاب ومليشيات إلى فرض رؤيتها المتشددة على الفن.

وأشار رئيس جمعية دعم الثقافة العراقية المستقلة مفيد الجزائري إلى ضرورة أن تكون الجهود الحكومية جزءا من خطة مستدامة يتم تنسيقها بين مختلف الفنون.

وقال إنه عندما يكون القطاع الخاص ضعيفا تكون الحكومة وحدها هي القادرة على الاضطلاع بهذا الدور، مضيفا أن هناك حاجة لدعم جميع مجالات الثقافة وهو أساسي لدفع الإنتاجية التي يمكن أن تنمو بمرور الوقت.

وحتى لو حصلت صناعة السينما على دفعة فإن دور العرض لا تزال قليلة. وفي حين تحسن الأمن فلا يزال كثير من الناس يخشون التجمعات العامة. ومن بين 82 دار سينما كانت مفتوحة في العراق معظمها في بغداد فإن خمسة منها فقط لا تزال مفتوحة.
 
وتعمل بعض دور العرض الصغيرة الخاصة في بعض النوادي الاجتماعية، لكن كثيرا من منتجي الأفلام يأملون أن يعود العراقيون في وقت لاحق لدور السينما.
 
ويقول المخرج رعد مشتت "أمنيتنا أن يخلق شباك تذاكر لأن في كل العالم من يغذي السينما هو المشاهد الذي يشتري التذاكر"، ويضيف مخرج فيلم "صمت الراعي"، وهو فيلم روائي طويل "عندي أمل حقيقي بأن تعاد السينما العراقية إلى الحياة مرة أخرى".

المصدر : رويترز