أيام قرطاج السينمائية أدرجت عددا من أفلام المخرج الياباني هايو ميازاكي (الجزيرة)
كمال الرياحي-تونس
 
تتواصل أيام قرطاج السينمائية في نسختها الرابعة والعشرين في ظروف استثنائية وتحاول أن تتخطى ما عرفته من إشكالات في التنظيم وعرض الأفلام، غير أن نقاطا عديدة تحسب لهذه الدورة ومنها ادراج سينما التحريك لأول مرة في التظاهرة الشينمائية العريقة.

وقد أدرجت في هذه الدورة الكثير من أعمال سينما التحريك اليابانية للمخرج هايو ميازاكي ومنها أفلام "نوشيكا وادي الرياح" و"جاري توتورو" و"القصر الذي في السماء" و"القصر المتجول" و"سفر شيهيرو" وهي نماذج أفلام شملت تجربة ميازاكي من الثمانينات إلى اليوم.

وسبق أن عرف المشاهد العربي أعمال ميازاكي في التلفزيون ومعظم الأجيال العربية شاهدت مسلسلات للصور المتحركة التي نالت شهرة كبيرة، من "عدنان ولينا" إلى "بال وسيباستيان" وغيرها. 

وميازاكي المولود سنة 1941 أصيل مدينة طوكيو، كان قد بدأ مسيرته بداية الستينيات في أستوديو "تيوي دوقا" وقد أبدى قدرة عجيبة على الرسم وابتكار مواضيع الأفلام حتى أخرج "أرسن لوبين3: قصر غليوسترو" ونوسيساو وادي الريح" مما مكنه من إقامة أستوديو "غيبلي" الذي احتضن تجربته بعد ذلك مع صديقه إزاو تاكاهاتا.

وعلى الرغم من التوقيت غير المناسب بأيام قرطاج السينمائية لعرض هذه الأفلام في المساء فإنها لاقت إقبالا جماهيريا محترما، خاصة أنها موجهة للجميع من الأطفال إلى الكهول.

بهذ االنمط السينمائي الجديد قدمت أيام قرطاج السينمائية سينما بديلة في ظل الزخم الذي عرفته الدورة من سينما الثورة والسجون، فجاءت هذه الأفلام مثل الاستراحة الحالمة

ثقافة السلم
وقال الخبير بالسينما اليابانية المخرج التونسي محمود عبد البار والمكلف باختيارالأفلام بالمهرجان إن الأفلام المدرجة في المهرجان على مستوى كبير من الجودة والحرفية، ولكن ذلك لم يكن السبب الوحيد في عرضها، فأعمال ميازاكي أفلام متميزة ضمن هذا النوع من السينما -سينما التحريك- وقد شكل مدرسة خاصة ومتميزة داخل اليابان نفسها نتيجة لما تحمله تلك الأفلام من عمق إنساني وأصالة في طرح الأفكار والإسقاطات الأيديولوجية الإنسانية التي يمكن تحسسها بمشاهدة تلك الأعمال.

وأعمال ميازاكي ببعدها الإيكولوجي ومناخاتها المستقبلية تحاول أن تطرح موضوع السلم ضد الحرب وكل أشكال العنف، مثل فيلم "نوشيكا وادي الريح" عبر قصة امرأة تسعى لاستعادة توازن العالم بعد أن أصبح مهددا بالدمار، وإقامة السلام بين المتنازعين بالحوار.

المخرج  التونسي -الذي عاش ودرس باليابان سنوات وتخرج من جامعة طوكيو وأخرج عددا من الأفلام هناك منها" فوندو" و"فريقو"- أشار إلى أن المرأة تمثل إحدى العلامات المميزة لأعمال ميازاكي فهي المحرك الأساسي للأحداث وهي المنقذة عادة للبشرية، وهذا يعكس رؤية وفلسفة مخرج لفكرة البناء والولادة والمرأة كعنصر رئيس في إرساء السلام بعيدا عن الذكورية المتعطشة للصراع وللحرب والاقتتال.

وبهذا االنمط السينمائي الجديد قدمت أيام قرطاج السينمائية سينما بديلة في ظل الزخم الذي عرفته الدورة من سينما الثورة والسجون، فجاءت هذه الأفلام مثل الاستراحة الحالمة التي تحمل الأمل لهذه الشعوب الجريحة لتعيد إنتاج نفسها، خاصة أن هذه الأفلام -كما يقول عبد البار- ذات بعد إنساني ولا تعكس محلية مغلقة ولا تحمل أيديولوجيات ومصالح سياسية كما في أفلام والت ديزني الأميركية وهذا يعود إلى أن اليابان تظل البلد المحايد في الصراعات السياسة الكبرى.

واقع ومستقبل سينما التحريك في تونس والعالم العربي يبقى صعبا لما تستلزمه من طاقات وموارد بشرية وتقنية إلى جانب التكوين العلمي والمعرفي

مستقبل سينما التحريك
ورغم بعض الاهتمام بسينما التحريك في تونس خاصة مع انتشار الفضائيات الخاصة ونجاح بعض تجارب الإشهار التجاري على طريقة ثلاثي الأبعاد أو التحريك، وتدريسها بالمعاهد السينمائية يرى عبد البار أن واقع ومستقبل هذه السينما في تونس والعالم العربي يبقى صعبا لما تستلزمه من طاقات وموارد بشرية وتقنية إلى جانب التكوين العلمي والمعرفي.

وتحدث صاحب "فريقو" -الذي يستعد لإخراج فيلمه الجديد في سينما التحريك قريبا- عن أهمية ما يدرس في الجامعات والمعاهد التونسية على مستوى نظري ولكن المقارنة بما في اليابان تبدو مخجلة فالطالب الياباني منذ اليوم الأول تتوفر له الآلات والتقنيات فيتمرس عليها وهو بعد طالب ومشاريع التخرج يقع التعامل معها كأعمال محترفة وتشارك في مهرجانات عالمية.

كما عرج صاحب "فوندو" على العلاقة التي تربط جامعات السينما باليابان بالأستوديوهات الضخمة التي تستعين بالطلبة في إنتاجاتها السينمائية ومن ثمة يجدون أنفسهم بعد التخرج مباشرة في مجال الاحتراف.

وقال عبد البار إنه بقدر ما تزرع فيك الجامعة اليابانية ثقافة التحدي عندما توفر لك كل الإمكانات لكي تنجز عملك أو بسحب تلك الإمكانات وجعلك تفكر في الوصول إلى نفس نتائج ما وصلت إليه الأفلام الهوليودية والروسية مثلا في الورشات، تخلق فيك الجامعات العربية روح الهزيمة والفشل عندما تقدم لك جانبا نظريا وتعتذر عن المضي بعيدا بذريعة الإمكانيات التقنية فيتخرج طالب السينما متلبسا بروح انهزامية.

المصدر : الجزيرة