الفنان السوري سميح شقير يغني في تظاهرة "وطن يتفتح في الحرية" في الدوحة (الجزيرة)
طارق عبد الواحد
 
إضافة إلى بطش القبضة الأمنية وسطوتها المتمادية، يتعرض المثقفون والفنانون السوريون المناصرون للثورة السورية إلى شتى صنوف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي قد تنتهي بلفظهم ونبذهم من محيطهم وبيئاتهم وطوائفهم إذا كان المثقف منتميا إلى إحدى الأقليات الطائفية في سوريا.

ولا تقتصر سلوكيات وممارسات النظام السوري على استدعاء المثقفين المعارضين إلى مديريات الأمن المتعددة واعتقالهم وزجهم في أقبية السجون، فقد يصل الأمر إلى درجة التصفية الجسدية كما حدث للروائي إبراهيم خريط والكاتب نمر المدني.

وقد دفع هذا المناخ الترهيبي -الذي تشارك فيه مجموعات مؤيدة للنظام السوري على المستويين الميداني والإعلامي- الكثير من المثقفين والفنانين السوريين إلى التواري في داخل سوريا أو الهجرة واللجوء إلى بلدان عربية وأجنبية عديدة، ومن هناك يطلق بعد المبدعين أعمالهم التي احتفت بالثورة وساندتها مثل الفنان سميح شقير الذي صدحت بعض أغانيه من أفواه الثوار.

أحمد محمود:
"
ليس بالضرورة أن يكون المثقف مناصرا للثورة حتى يتعرض إلى الضغوط والمساءلة والاعتقال، بل يكفي أن يكون محايدا بعض الشيء أو داعيا إلى الحل السياسي لكي ينال نصيبه من التضييق والتشهير

ثورة طبقات مهمشة
السيناريست فؤاد حميرة -الذي كان في الآونة الأخيرة هدفا لحملات التشهير والتخوين على خلفية تعرض منطقة المزة 86 بدمشق إلى هجمات تفجيرية- يرجع تلك السياسات القمعية إلى رغبة "النظام وشبيحته بإفراغ سوريا من المثقفين لكي يتسنى لهم وصف الثورة بأنها خالية من العقول ويثبتون للعالم أنها ثورة رعاع".

ويشدد صاحب مسلسل "الحصرم الشامي" الذي ينتمي إلى الطائفة العلوية على أن الثورة السورية هي "ثورة كرامة وحرية وثورة طبقات مهمشة وليست ثورة طائفية كما يحلو للإعلام الرسمي أن يصورها".

ويذهب الصحفي والمعتقل السياسي السابق أحمد محمود إلى مدى أبعد فيقول إنه ليس بالضرورة أن يكون المثقف مناصرا للثورة حتى يتعرض إلى الضغوط والمساءلة والاعتقال، بل يكفي أن يكون محايدا بعض الشيء أو داعيا إلى الحل السياسي لكي ينال نصيبه من التضييق والتشهير من قبل مليشيات تابعة للنظام تستطيع عمل أي شيء لأنها خارج القانون والمحاسبة وصلاحياتها في القتل مطلقة.

ويضيف محمود -الذي ينتمي بدوره للطائفة العلوية- بالقول إذا كان المثقف والناشط بالشأن العام موظفا فهو سيكون خاضعا لسلطة "قانون الإرهاب" الجديد (المادة 19 من دستور عام 2012) الذي يخول الإدارات صرف أي موظف من دون حقوق أو تعويضات إذا كتب مجرد تعليق على "فيسبوك" أو نشر مقالا مقتضبا عن الأحداث في سوريا، حتى وإن كان المقال موضوعيا.

الواقع دفع مثقفين كثرا لاختيار خندق الثورة والانخراط في فعالياتها، ما عدا قلة لعبت -نتيجة الخوف أو المصلحة- دور الشبيح الثقافي المؤيد للنظام

ضغوط مضاعفة
ويؤكد محمود أن المثقفين السوريين المنتمين إلى الطائفة العلوية يتعرضون لضغوط مضاعفة، فالبيئة الاجتماعية تلفظهم والأجهزة الأمنية تعد عليهم أنفاسهم، وهنالك الكثير -حسب قوله- من أصدقائه لا يجرؤون على زيارة أقاربهم خوفا من أهالي تلك القرى.

من ناحيته، يرى الشاعر منذر مصري أن المثقفين السوريين نجحوا بامتحان الثورة السورية بدرجات متفاوتة، فـ"قلة ممن يشكلون الجسم الحقيقي للثورة وقفوا ضد ثورة السوريين يتبعهم عدد أكبر -ربما- ممن وقفوا على حياد صادق أو مزيف".

ويضيف صاحب مجموعة "الشاي ليس بطيئا" بالقول "على العموم لم يكن امتحان الثورة سهلا فقد عرفت أصدقاء جاهروا بمعارضتهم للنظام طوال سنوات حياتهم، ولكن ما إن حدثت الثورة حتى زاغت نظراتهم واهتزت أفكارهم وتزعزعت مواقفهم ومضوا يتصارعون في دواخلهم إلى الحد الذي يمكن لمن هو قريب منهم أن يسمع صراخ أرواحهم وهي تتمزق".

ويحيل الكاتب والصحفي فايز سارة أسباب انقسام المشهد الثقافي السوري بين مناصر للثورة ومعاد لها إلى سياسات النظام المتلاحقة "بتهميش النخبة وإلحاقها به عبر هيئات ومنظمات ونقابات، لكن الواقع دفع مثقفين كثرا لاختيار خندق الثورة والانخراط في فعالياتها، ما عدا قلة لعبت -نتيجة الخوف أو المصلحة- دور الشبيح الثقافي المؤيد للنظام".

سقوط حقبة خادعة
أما الشاعر ياسر الأطرش فقد رأى أن الثورة السورية هي امتحان لمصداقية وانسجام المثقف مع ذاته، وقد سقط في ذلك الامتحان مثقفون كبار في طليعتهم أدونيس وزياد الرحباني، وشدد الأطرش على أن هذا النوع من السقوط ليس سقوطا آنيا وإنما هو سقوط تاريخ وحقبة خادعة.

وبنبرة هجائية، يشير الصحفي جهاد أسعد محمد إلى تحطم صورة المثقف السوري وانكسار دوره ومكانته والمؤسسات التي ينتمي إليها، ويقول "إن معظم المثقفين السوريين لم يغيروا شيئا من عاداتهم بعد الثورة، فهم ما زالوا يجلسون في المقاهي يثرثرون ويتهكمون على بعضهم ويسكرون ويطاردون النساء ويتناقشون في الترهات والنوافل ويكتبون زواياهم الثابتة ومقالاتهم عن أدباء أميركا اللاتينية ولا يستاؤون إلا من قطع الطرقات والوقوف على الحواجز".

ويشير محمد -الذي كان مديرا لتحرير صحيفة حزبية يسارية وترك موقعه فيها على خلفية الأحداث في سوريا- إلى انبثاق عهد جديد وظهور مثقفين جدد تنتجهم الثورة وهؤلاء سيكون على عاتقهم إعادة إنتاج صورة المثقف ودوره ووظيفته ومساهمته في بناء المجتمع السوري بعد الثورة.

المصدر : الجزيرة