أفلام تصالحها المهرجانات ويخاصمها الجمهور
آخر تحديث: 2012/11/20 الساعة 14:11 (مكة المكرمة) الموافق 1434/1/7 هـ
اغلاق
خبر عاجل :العبادي يقول استفتاء الأكراد انتهى وأصبح من الماضي
آخر تحديث: 2012/11/20 الساعة 14:11 (مكة المكرمة) الموافق 1434/1/7 هـ

أفلام تصالحها المهرجانات ويخاصمها الجمهور

طارق الشناوي

لم يعد أمام السينما المصرية للتواجد بالمهرجانات سوى تلك التي نُطلق عليها السينما المستقلة، وهو تعبير في حقيقة الأمر لا تستطيع أن تجد له توصيفا جامعا مانعا ينطبق على كل الأفلام التي ترفع راية الاستقلالية عالية خفاقة.

آخر هذه الأفلام المستقلة هو "عشم" للمخرجة ماجي مورغان في أول تجربة روائية لها، ويشارك حاليا بمهرجان الدوحة ترايبيكا ممثلا للسينما المصرية في مسابقة السينما العربية. كما يقع تحت نفس التوصيف فيلم "الخروج للنهار" إخراج هالة لطفي، التي فازت بجائزة أفضل مخرجة عربية في قسم آفاق المخصص لتجارب المخرجين الأولى في مهرجان أبو ظبي قبل ثلاثة أسابيع.

هذا النمط من السينما محدودة التكاليف التي يطلق عليها "مستقلة" ظهرت  في الولايات المتحدة منذ ثلاثينيات القرن الماضي، لتشير إلى الأفلام التي أنتجت خارج إطار شركات هوليوود الضخمة

هل هذه هي فقط السينما التي من الممكن أن نجدها بالمهرجانات السينمائية بعد أن صارت السينما التجارية التقليدية خارج نطاق الخدمة؟ الأفلام غالبا تُصنع من أجل الجمهور، لكن الحقيقة أن أغلب التجارب التي أتيح لها العرض الجماهيري في مصر خاصمها الجمهور، بقدر ما صالحتها بالجوائز العديد من المهرجانات.

وضمن هذا التمشي يفتتح مهرجان القاهرة يوم 27 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري أيضا بفيلم "الشتا اللي فات" للمخرج إبراهيم بطوط وبطولة عمرو واكد، ويعتبر بطوط رائد السينما المستقلة في مصر، وهذا يعني أن المهرجانات المصرية وليست فقط العربية أو الدولية لا تستطيع أن تعرض سوى تلك الأفلام في مسابقاتها.

هذا النمط من السينما التي يطلق عليها "مستقلة" محدودة التكاليف، وقد ظهرت تاريخيا في الولايات المتحدة منذ ثلاثينيات القرن الماضي، لتشير إلى تلك الأفلام التي أنتجت خارج إطار شركات هوليوود الضخمة التي تعتمد أعمالها على الميزانيات الكبيرة وتسند البطولة لكبار النجوم الذين تقطع من أجلهم تذاكر الدخول للسينما وتحقق أيضاً بالتالي هذه الأفلام أعلى الإيرادات.

وهكذا بدأت هذه السينما كنوع من الاحتجاج الفكري والفني والاقتصادي على تلك الأفلام التي تنتجها قلعة السينما العالمية، فجاءت موازية لها وليست بديلاً عنها. أما في مصر فإن هذه الموجة من الأفلام لم نعرفها إلا فقط قبل خمس سنوات، وكانت البداية مع المخرج إبراهيم بطوط بفيلمه "إيثاكي".

أغلب هذه الأفلام يصور بكاميرا "ديجيتال" بغرض التوفير، ولا تعتمد على نجوم الشباك بل تتم الاستعانة غالباً بوجوه جديدة بعضها يقف لأول مرة أمام الكاميرا ولهذا تعبر هذه الأفلام عن أفكار وومضات مخرجيها وليس شطحات نجومها. وفي العادة هناك درجة ملحوظة من التلقائية يمارسها المشاركون في هذه الافلام تتيح لهم ارتجال أجزاء كبيرة من الحوار، كما يقدم المخرج أفكاره بدون خوف من اعتراض نجم الفيلم.

وقد أثبتت هذه الأفلام جدارتها في المهرجانات، فحصدت مصر في نهاية شهر أكتوبر/تشرين الأول 2010 جائزتين واحدة من مهرجان "ترايبيكا" الدولي في الدوحة عن فيلم "الحاوي" لإبراهيم بطوط، وهي جائزة أفضل فيلم عربي والثانية "التانيت الذهبي" من مهرجان "قرطاج" عن فيلم "ميكروفون" لأحمد عبد الله.

لكن هذه الأفلام تجد بالتأكيد صعوبة في العرض الجماهيري داخل مصر رغم حصولها على جوائز مهمة فلم يستطع الجمهور أن يتوافق معها.

في عز الأزمة التي تعيشها السينما المصرية -ولا تزال- كان ينبغي أن يلمع ضوء أبيض في تلك التجارب التي تخرج عن النمط الإنتاجي السائد وتحاول أن تعثر على بديل لا يفرض شروطاً على صانع العمل الفني

عرض جماهيرياً قبل ثلاثة أعوام  فلما "عين شمس" لإبراهيم بطوط و"هليوبوليس" لأحمد عبد الله ولم يحققا إيرادات، وعرض يوم 25 يناير 2011 في لحظة انلاع الثورة المصرية فيلم "ميكروفون"، ولكن الجمهور من الشباب كان قد ذهب للمشاركة في الثورة ولم يحقق الفيلم بالطبع أي نجاح تجاري.

ويبقي أنه في عز الأزمة التي تعيشها السينما المصرية -ولا تزال- كان ينبغي أن يلمع ضوء أبيض أراه دائما في تلك التجارب التي تخرج عن النمط الإنتاجي السائد، وتحاول أن تعثر على بديل لا يفرض شروطاً على صانع العمل الفني.

السينما المصرية هي ابنة السوق الذي يفرض على المخرجين الانسحاق أمام النجوم -لا أتحدث بالضرورة عن النجم عندما ينتج- ولكن كل النجوم Super Star يقدمون أفلامهم وليست أفلام المخرجين، فهم الذين يتحكمون في كل التفاصيل.

كان جيل مخرجي الثمانينيات مثل محمد خان وداود عبد السيد وعاطف الطيب وخيري بشارة لديهم أحلام سينمائية أخرى ساعدهم على تحقيقها وجود بطل مثل أحمد زكي، ومثلما أضافوا له ألقا ووهجا أضاف الفنان الراحل لهم الكثير. ومن بين نجوم تلك الحقبة أيضا نور الشريف الذي بدأ مشواره في نهاية الستينيات لكنه توافق فنيا مع أحلام جيل الثمانينيات.

فقد التزم كل من أحمد زكي ونور الشريف بأفكار هؤلاء المخرجين، وبنسبة كبيرة حرصا على الذوبان الفني في تلك المشروعات الفنية المنسوبة إلى مخرجيها، أما هذا الجيل من المخرجين فكيف يحقق أحلامه وأمامنا النجوم الجدد يسيطرون على مفردات الفيلم السينمائي؟

بعض المخرجين الشباب اعتقد أن الحل في الاستعانة بالوجوه الجديدة، ولكننا في أغلب هذه الأفلام لم نعثر على شيء يحمل بصمة خاصة. فيلم "أوقات فراغ" الذي أنتج سنة 2006 والذي شارك ببطولته مجموعة من الشباب كان محاولة على مستوى الفكرة والتناول للخروج من سيطرة النجوم ولكن الرؤية الإخراجية لمحمد مصطفى كانت تنتمي إلى زمن آخر.

السينما المصرية التي عانت كثيرا في السنوات الأخيرة من سيطرة نجوم  كانت الأفلام تصنع لهم ومن أجلهم، تشهد بارقة أمل جديدة في تلك الأفلام التي تنحاز إلى أفكار وإبداعات مخرجيها.

وسواء أطلقت عليها تسمية سينما مستقلة أو مختلفة أو أي تسمية أخرى فإنها في النهاية سينما قادرة على المنافسة، ويبقى أن على صُناع هذه الأفلام كما صالحوا المهرجانات أن يصالحوا أيضا الجمهور.
_______________
كاتب وناقد فني مصر

المصدر : الجزيرة

التعليقات