ظروف النكبة وحقائقها في كتاب مرجعي
آخر تحديث: 2012/11/2 الساعة 23:28 (مكة المكرمة) الموافق 1433/12/18 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2012/11/2 الساعة 23:28 (مكة المكرمة) الموافق 1433/12/18 هـ

ظروف النكبة وحقائقها في كتاب مرجعي

الكتاب يتألف من ستة مقالات توثق الأحداث المأساوية لنكبة الفلسطينيين

أنطوان جوكي-باريس

يشكل كتاب "نكبة" للمؤرخ الفلسطيني وليد خالدي خير مساهمة في تأريخ الأحداث المأساوية التي حصلت في فلسطين بين عامي ١٩٤٧ و١٩٤٨ وكانت نتيجتها طرد نحو ٨٠٠ ألف فلسطيني من وطنهم على يد الصهاينة ضمن ما يسميه الفلسطينيون النكبة.

ويتألف الكتاب -الذي صدر عن دار نشر "أكت سود" الباريسية بالتعاون مع معهد الدراسات الفلسطينية في بيروت- من ستة مقالات مطولة وموثقة نشرت للمؤرخ بين عامي 1959 و1993.

لماذا رحل الفلسطينيون؟
ففي المقال الأول الذي حمل هذا العنوان، ينقضّ خالدي على الأسطورة التي روّج لها الإسرائيليون في الغرب للتبرّؤ من مسؤولية اللاجئين الفلسطينيين، ومفادها أن هؤلاء نزحوا إلى الدول العربية المجاورة إثر أوامر تلقّوها من الحكّام العرب بواسطة الراديو تحضّهم على الرحيل مؤقّتا بهدف فتح الطريق أمام الجيوش العربية النظامية.

فبعد بحثٍ وتدقيق يتبيّن لخالدي عدم وجود أي دليل يُثبت الادعاءات الإسرائيلية، لا في المصادر الصهيونية لعام ١٩٤٨ علمًا بأنه كان من البديهي العثور فيها على أثر لهذه الأوامر، ولا في أرشيف جامعة الدول العربية الذي يتضمّن جميع التصريحات الصادرة عنها خلال تلك المرحلة، ولا في أبرز الصحف العربية، ولا سيما أنه من المستحيل إهمال هذه الأخيرة لأوامر بهذه الخطورة وعدم الإشارة إليها ولو بسطرٍ واحد!

بل إن كل ما وجده خالدي في هذه الصحف هو قرار اللجان المركزية التي تشكّلت آنذاك في لبنان وسوريا ومصر بعدم منح إقامات للفلسطينيين الذين لجؤوا إلى هذه الدول والقادرين على حمل السلاح، وإرسالهم إلى الجبهة الفلسطينية.

وكذلك الأمر بالنسبة إلى نشرات وبرامج الإذاعات العربية عام ١٩٤٨ التي استمع المؤرّخ إليها يومًا بيوم ولم يعثر على أي أثر لأوامر من هذا النوع بل على القرار المذكور أعلاه وعلى دعوات من "المجلس العربي الأعلى" للفلسطينيين الموجودين في فلسطين، من موظّفين وعناصر شرطة ورجال قادرين على حمل السلاح، إلى البقاء في وطنهم ومتابعة عملهم.

تم تفريغ ٣٦٩ قرية فلسطينية من سكانها بالقوة والترهيب قبل أن يتم تدمير هذه القرى كليًّا بهدف منع سكانها من العودة إليها

سقوط حيفا
كان هذا عنوان المقال الثاني الذي يبيّن فيه خالدي أن هجوم منظمة الهاغاناه الصهيونية على الأحياء العربية من مدينة حيفا في ٢١ و٢٢ أبريل/نيسان ١٩٤٨ شكل جزءًا من هجوم عسكري شامل هدفه إحلال دولة يهودية في فلسطين بقوة السلاح، وأن هذا الهجوم تم تنسيقه بشكل وثيق مع الجنرال البريطاني ستوكويل الذي مارس أيضا ضغوطا كبيرة على المفاوضين الفلسطينيين كي يقبلوا الاستسلام بالشروط التي فرضتها الهاغاناه.

أما النزوح الكثيف لسكان المدن العربية فلا علاقة له بأي أوامر وُجّهت إليهم من قبل الحُكّام العرب بل سببه الإرهاب والحرب النفسية اللذين مارستهما المنظمة الصهيونية المذكورة خلال هجومها.

في المقال الثالث يكشف خالدي تفاصيل "مخطّط داليه" الصهيوني كما نُشر في كتاب "تاريخ الهاغانا" (المكتبة الصهيونية بتل أبيب) الذي يتجلّى فيه بما لا يقبل الشك أن العمليات العسكرية المتلاحقة التي قام بها الصهاينة عام ١٩٤٨ في مختلف أنحاء فلسطين لم تترابط مصادفةً كما ادّعى المؤرّخون الإسرائيليون فيما بعد، بل تم تنفيذها وفقًا لمشروعٍ واضح وشامل غايته طرد الفلسطينيين من بيوتهم ومصادرة أراضيهم من أجل منحها لمئات آلاف اليهود الذين كان مقررًا استقبالهم في الدولة العبرية الجديدة.

وفي هذا السياق تم تفريغ ٣٦٩ قرية فلسطينية من سكانها بالقوة والترهيب قبل أن يتم تدمير هذه القرى كليًّا بهدف منع سكانها من العودة إليها.

المؤرخ خالدي يبين أن قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين ليس شرعيا لأن المنظمة الدولية لم تنظر في المطالب الشرعية التي تقدمت بها البعثات العربية

قرار التقسيم
وفي المقال الرابع يتفحّص خالدي قرار الأمم المتحدة الذي اتخذ عام ١٩٤٧ وأدّى إلى تقسيم فلسطين إلى دولتين يهودية وعربية، محلّلاً مضمونه على ضوء الوقائع الديمغرافية والعقارية في فلسطين آنذاك وكاشفًا نتائجه المأساوية والجائرة بحق الشعب الفلسطيني.

فعلى خلاف ادّعاء الأمم المتحدة بأن مشروع التقسيم هو صيغة تسوية شرعية وأخلاقية وعادلة ومتوازنة، يبيّن خالدي أولا عدم شرعية هذه الصيغة نظرًا إلى عدم استجابة الأمم المتحدة للمطالب الشرعية التي تقدّمت البعثات العربية بها.

ويظهر القرار الأممي عدم أخلاقية هذه الصيغة نظرًا إلى الوثائق العديدة التي تشهد على الضغوط وعمليات التهويل التي مارستها واشنطن على الدول الصغيرة كي تصوّت لصالح القرار، قبل أن يفضح جور هذه الصيغة وعدم توازنها من منطلق أن قرار التقسيم منح اليهود -ومعظمهم من المهاجرين حديثًا إلى فلسطين- 55٪ من الأراضي الفلسطينية، علمًا بأنهم كانوا يشكّلون أقل من ثلث سكان فلسطين ويملكون أقل من 7٪ من أراضيها.

وبينما يرصد خالدي مقاله الخامس لفضح انتقادات المؤرّخ الإسرائيلي بيني موريس غير المبنية والمُغرضة لكتابه "قبل شتاتهم"، يتناول في مقاله السادس سذاجة الحُكّام العرب خلال نهاية مرحلة الانتداب البريطاني على فلسطين وثقتهم غير المبرّرة بالبريطانيين والأميركيين، وانقسامهم وعدم جاهزيّتهم العسكرية، حتى بعد قرار الأمم المتحدة تقسيم فلسطين، إلى جانب صراع العواصم العربية الكبرى من أجل السيطرة على الجامعة العربية.

المصدر : الجزيرة