إبراهيم الحجري-الدار البيضاء
 
يعدّ الشاعر المهدي أخريف واحدا ممن صنعوا الحداثة الشعرية بالمغرب، وبالرغم من صوته المتفرد بين أبناء جيله فإنه يشترك معهم في كثير من القضايا الفنية والمضمونية بحكم أنهم جميعا يحترقون بسؤال الواقع وقضية التجديد في الكتابة.

ولما كانت الشعرية العربية تمر حاليا بمنعطفات صعبة، فقد بات صوت أخريف يصدح بلغة الشعر باحثا عن أفق لتجربته، مفككا اللغات ومركبا لإيقاعات مختلفة النبض، وهو يؤلف بين موضوعات ومتون شتى، مراوحا بين نصوص غائبة وعبارات شاردة في المتخيل وفي الذاكرة، ويبحث عن معنى لم يستذق وخطوات لم تقتف وأزمنة لم يعشها بعد.

ويبدو البعد الزمني حاضرا في مجموعته الشعرية الجديدة "لا أحد اليوم ولا سبت" منذ عتبتها الأولى العنوان، فوجود كلمتي "السبت والأحد" مسبوقتين بـ"لا" النافية يدل على أن هناك زمنا مفارقا في حياة الشاعر وتجربته في الحياة والكتابة. وما الزمن سوى مؤشر على الخصومة المحصلة من احتكاك الشاعر المهدي أخريف مع العالم الذي يعيش في أحضانه بأزمنته وأمكنته والناس يتحركون ضمنه.

يصير الزمن مكثفا في مجموعة المهدي أخريف الشعرية إلى درجة أنه يعادل حياة الشاعر الماضية كلها وربما أكثر

زمن مفارق
تغنى الشعراء منذ القدم بالزمن وعلقوا عليه كثيرا من أحزانهم وإخفاقاتهم، وإن كان في هذه الإشارة مجرد استعارة كبرى، لأن الزمن لا يساهم في نجاح أحد ولن يكون أبدا سببا لخسارة أحد. وما ذكره في القصيدة إلا من باب المفارقة الصارخة، والتلميح إلى الضغط النفسي الذي يولده الإحساس بالفشل والضياع والخسارات المتعددة والمتداخلة. يقول الشاعر واصفا وطأة إحساسه بضغط اللحظة: "لا أحد اليوم⁄  ولا سبت⁄  زمن محموم من غير نوافذ أو باب...".

يتحرك الشاعر في المكان والزمان بشكل فوضوي، لكنه حركته في المكان أكثر تجليا، وكأنه في صراع درامي مع الزمن. فهو يحس بوطأته ويستشعر أنه يقضم العمر المادي والشعري للتجربة، لذلك فهو يحوله شعريا إلى عدو غير متجسد. يتآكل العمر داخل القصيدة، ويتداخل مع الوجوه والأمكنة ليراهن على بلاغة التوصيف والبوح والشكوى والمفارقة والنقد المبطن لقيم المجتمع والكينونة والذات.

يسافر الشاعر عبر مفكرته الشخصية، مستعيدا الزمن في إكراهاته وبهائه، منصتا لتعاقباته في الذهن وارتجاجاته وهو ينتقل إلى سيولة شعرية، فهو يحكي سيرته الشخصية مع المكان، ويورد تنقلاته عبر الفضاءات التي لها وقع أثير في نفسه. 

يصير الزمن مكثفا في المجموعة الشعرية إلى درجة أنه يعادل حياة الشاعر الماضية كلها وربما أكثر، فالزمن الشعري المتخيل خليق بأن يعيد للشاعر كل اللحظات والأزمنة المهدورة حتى يتحقق له، ولو عبر التخيل الممتع، ما لم يتحقق من قبل، فهو لحظة مركزة وحافلة بالأحلام والاستيهامات، إذ يقول الشاعر:

في لحظات/ أنجزت كل المواعيد التي/ فاتتني منذ ستين عاما/ (لن أبلغها)/ في دقيقة واحدة، صدق/ أو لا تصدق/ في/ أقل من دقيقة/ عبرت أبي رقراق مرتين/ جيئة على قارب من ريشة/ وذهابا/ كأسفنجة من خيش/ ثم نمت مثلما أوصيتموني/ عامين أو يزيد/ وها أنا مستيقظ تماما/ متعطش للدم/ دم الكتابة العنيد.

عنما يورد الشاعر هذا الزخم من أسماء الشخوص والأماكن، يكون قد عزز تجربة الحكي الذاتي، وكأنه يريد أن يؤرخ لسيرة انفرطت في صمت ولن تجد من ينتشلها من ذاكرته المعرضة للسهو والضياع

شخوص وأماكن
يحتفي الشاعر -انسجاما مع الكتابة السيرية الشعرية المميزة لتجربته في هذا الديوان- بالفضاءات التي ارتادها وتركت في نفسه أثرا ما ممتعا أو مؤلما، والشخصيات التي رافقته خلال تجربة الحياة وتجربة الكتابة، وقد ضغط على الخط المكتوب به أسماء الأماكن والأشخاص تدليلا على أهميتها في تشييد المتخيل والتأثير على المتلقي.

ومن الأماكن المحتفى بها شعريا هنا نذكر: (طماريس، سيدي هدي، سيدي والو، المقهى الأزرق، صخرة مرزوق، وادي أبي رقراق، حانة سبيليتا، موغادور، دار ريغينا، ظهر المهراز، الدار البيضاء...) وهي كما يبدو أمكنة مرجعية معروفة لدى القارئ المغربي، وتحيل على أحداث عاشها الشاعر ذهنيا ونفسيا وواقعيا.

أما الشخوص فهي كثيرة، ويزدحم بها المتن الشعري في هذه المجموعة (كريم حوماري، سبيليتا، عونزالو روخاس، نيكنور، سيناترا، كارل فيك، إدمون، الريسوني، البوعناني، طامة عيلانة، رودريغيز الأعمى، ذو الرمة، الأعشى، محمود البريكان،  قسطنطين كفافيس...) وبعض هاته الأسماء واقعي يعرف لدى المتلقين، وبعضها أسماء نصية شعرية استلهمها الشاعر من نصوص أخرى ليطعم بها معاني تجربته، ويحيل على وضعها الاعتباري داخل النصوص الأصلية.

إن الشاعر عندما يورد هذا الزخم من أسماء الشخوص والأماكن، يكون قد عزز تجربة الحكي الذاتي، وكأنه يريد أن يؤرخ لسيرة انفرطت في صمت ولن تجد من ينتشلها من ذاكرته المعرضة للسهو والضياع، وهو يقول معاتبا النسيان: من يطرق بابا منسيا من مطلع/ أيام السبعينات.../ من يذكر اسمي ونبيذي/ باب الميناء المغرق من يذكره؟...

يذيل الشاعر مجموعته الشعرية بمجموعة من الحواشي التي تعتبر بمثابة شرح لأسباب وضع النصوص وطريقة كتابتها والقصد منها بلغة ميسرة خالية من التعقيد البلاغي. ويفيد الاطلاع على هاته الحواشي في فهم كثير من الأمور داخل النصوص، ومنها حاشية "تماريس"، حاشية "علم الأطلال"، حاشية "برج الغولة"، وحاشية "العنوان"، وتبرز في هاته الحواشي، اللغة التهكمية من الواقع والأفكار الرائجة بين الناس، فضلا عن اللغة، حيث يقحم بشكل مفارق بعض الكلمات العامية في المكتوب.

ويبين أخريف في آخر حواشيه الصعوبات الجمة التي يجدها في اختيار عناوين نصوصه، ويصف الحيرة التي ترافقه وهو يؤسس أسماء قصائده، مفصلا في معاناة إيجاد عنوان لهاته المجموعة قبل أن يستقر رأيه على "لا أحد اليوم ولا سبت"، فقد عاد إلى قصائد ديوانه رغبة في الاختيار منها، وعاد إلى نصوص غيره من الشعراء الأموات بغية الاقتراض منها، قبل أن يلهمه ديوان سركون بولص الأخير "عظمة لكلب القبيلة".

المصدر : الجزيرة